الجميع يكتبون
آن هاندلي
Everybody Writes
كتاب «الجميع يكتبون» (Everybody Writes) دليل عملي وضعته آن هاندلي لكل من يكتب في عمله، من الرسائل الإلكترونية وصفحات المواقع إلى المنشورات والعروض. فكرته الأساسية أن الكتابة الواضحة عادة يمكن تعلّمها، لا موهبة فطرية. يبدأ الأمر بمعرفة القارئ، ثم مسودة سريعة غير متقنة، ثم تحرير على مراحل حتى يخدم النص من يقرؤه.
من يرسل الرسائل الإلكترونية أو يكتب صفحات المنتجات أو ينشر على لينكدإن كاتبٌ بالفعل، وإن لم يسمِّ نفسه كذلك. وحجة هاندلي أن القرّاء يحكمون علينا من خلال هذه الكلمات، ولذلك يستحق إتقانها الجهد.
الكتاب في جوهره
صدر الكتاب عام 2014، وكانت هاندلي آنذاك رئيسة قسم المحتوى في شركة MarketingProfs. كُتب في الأصل للمسوّقين، لكن نصائحه تصلح لكل من يعتمد عمله على الكتابة. فصوله قصيرة، وهو مصمَّم للرجوع إليه عند الحاجة أكثر من قراءته دفعة واحدة. ويتناول في أقسام منفصلة قواعد الكتابة، والنحو والاستعمال، ورواية القصص، ومصداقية المحتوى، والأدوات.
الفكرة المحورية بسيطة: الكتابة الجيدة تخدم القارئ لا الكاتب. وتربط هاندلي ذلك بمسار متدرّج تسميه «نظام تحديد المواقع للكتابة» (Writing GPS). يبدأ المسار بتحديد الهدف والقارئ، ثم تأتي مسودة أولى قبيحة، فمسافة زمنية وإعادة كتابة، وأخيرًا التجهيز للنشر. فالكتابة عندها روتين منتظم، لا انتظار للإلهام.
وبإنصاف، الكتاب أقرب إلى مائدة متنوعة منه إلى نظرية متماسكة. تقادمت بعض أدواته وأمثلته منذ 2014، وقد صدرت طبعة منقّحة عام 2022. وقد لا يجد فيه المحررون المتمرسون جديدًا كثيرًا، وقد يبدو تركيزه التسويقي وأسلوبه الخفيف سطحيًّا لبعض القرّاء. وأفضل استخدام له أن يكون مرجعًا قريبًا على المكتب ودَفعة نحو الكتابة.
لمن هذا الكتاب
- من يكتب كثيرًا في عمله ولا يعدّ نفسه كاتبًا
- العاملون في التسويق والمحتوى والاتصال المؤسسي
- روّاد الأعمال والمستقلون الذين يكتبون مواقعهم وعروضهم بأنفسهم
- المديرون الذين تُهمَل رسائلهم دون قراءة
لمن لا يناسب
- — كتّاب الرواية والقصة الباحثون عن صنعة السرد
- — المحررون المتمرسون الذين يريدون مرجعًا مفصّلًا في النحو والأسلوب
- — من يبحث عن دليل للكتابة الأكاديمية
أهم الدروس
01
تسمية القارئ قبل كتابة أي كلمة
ينشأ معظم الغموض من الكتابة لغير أحد بعينه، أو لأنفسنا في الحقيقة. تدعو هاندلي إلى تخيّل قارئ واحد محدد وطرح ثلاثة أسئلة: ماذا يعرف مسبقًا؟ ماذا يحتاج؟ وما الذي سيكسبه من النص؟ هذا الاختيار الواحد يحسم أمورًا كثيرة: أي المصطلحات نحذف، وماذا نشرح، وماذا نترك، وإلى أي حد نلتزم الرسمية. ويتحول المنظور من «ماذا أريد أن أقول» إلى «ماذا يحتاج القارئ أن يسمع». والخطوة العملية سطر واحد قبل المسودة يحدد من يقرأ، وماذا يعرف، وما الذي نريده أن يفعله بعد ذلك.
في جدة، أعدّت لجنة الامتثال في شركة تأمين تعميمًا عن إجراءات جديدة لمطالبات الحوادث، وجاءت صيغته الأولى مليئة بأرقام المواد النظامية. ثم حدّد الفريق قارئه بأنه «سالم، موظف خدمة العملاء الذي يرد على 60 مكالمة يوميًّا». عندها اختُصر التعميم إلى جملتين وجدول: ما الذي يقوله سالم للمتصل، وما المستند الذي يطلبه.
02
مسودة أولى قبيحة ثم إصلاحها
تستعير هاندلي من الكاتبة آن لاموت فكرة أن الكتابة الجيدة تبدأ بمحاولات أولى رديئة، وتسمّيها «المسودة الأولى القبيحة» (Ugly First Draft). تثقل الصفحة البيضاء علينا لأننا نحاول الكتابة والحكم في وقت واحد، فتُمحى كل جملة قبل أن تولد التي تليها. والحل الفصل بين المهمتين. نكتب المسودة بسرعة، بلا ترتيب إن لزم، بعلامات مؤقتة وعبارات ركيكة، وغايتها الوحيدة نقل التفكير إلى الصفحة. ثم نبتعد قليلًا، ولو ساعة، ونعود بعين المحرر. فالمسودة ليست المنتَج، بل المادة الخام التي تجعل إعادة الكتابة ممكنة.
أمام نور، طالبة الماجستير في القاهرة، ملخص بحث من 300 كلمة يُسلَّم بعد يومين، وقد كتبت جملته الأولى وحذفتها 7 مرات. قررت أن تملي أفكارها صوتيًّا على هاتفها في طريقها إلى الجامعة، ثم فرّغت التسجيل كما هو، بأخطائه وتكراره. وفي المساء صار بين يديها نص كامل تهذّبه، بدل صفحة بيضاء تخشاها.
03
الكتابة لمن يتصفح سريعًا: الشكل يحمل المعنى
على الإنترنت وفي صناديق البريد، يتصفح القرّاء أولًا ثم يقررون هل يقرؤون. وتقترح هاندلي تصميم النص لهذا السلوك بدل التذمر منه. الوسيلة فقرات قصيرة، وعناوين فرعية واضحة، وقوائم نقطية حين تتوازى العناصر، ومساحات بيضاء كافية. أما الخط العريض فيُحفظ لكلمات قليلة لا ينبغي أن تفوت المتصفح السريع (Skimmer). وتوضع الفكرة الرئيسة في الأعلى. والأهم طلب واحد في كل رسالة، فالطلبان يشتتان الانتباه، وكثيرًا ما لا يُنجز أيٌّ منهما. والاختبار: لو قرأ أحدهم سطر الموضوع والعناوين والكلمات العريضة فقط، فهل يعرف ما المطلوب منه؟
كانت عيادة أسنان في دبي ترسل للمرضى رسالة طويلة تجمع موعد الزيارة وتعليمات ما قبل العلاج وعرضًا على التبييض، فبلغت نسبة التغيّب 22٪. أعادت مديرة العيادة صياغتها، فجعلت سطرها الأول لليوم والساعة وحدهما، وأضافت رابطًا واحدًا لتأكيد الحضور، ونقلت العرض إلى رسالة منفصلة. وفي الشهر التالي انخفض التغيّب إلى 9٪.
04
تقديم دليل يستطيع القارئ التحقق منه
تعلّم القرّاء ألّا يمنحوا الصفات وزنًا كبيرًا، فعبارات مثل «عالمي المستوى» و«مبتكر» و«سهل الاستخدام» تطلب منهم أن يصدّقوا كلامنا فحسب. وتقترح هاندلي بناء المصداقية بالتفاصيل: معلومة ملموسة، أو عميل حقيقي، أو رقم بمقياس يتخيله الإنسان، أو مصدر يمكن الرجوع إليه، أو فرصة لتجربة الشيء بنفسه. التفاصيل تقنع لأنها قابلة للتحقق، ولأن اختلاقها أصعب من اختلاق المديح. ونصيحتها بجعل العميل بطل القصة تعمل بالمنطق نفسه، فالمطلوب إظهار ما تغيّر لدى شخص حقيقي بدل الحديث عن تميّزنا.
كانت شركة نقل أثاث في الرياض تكتب في إعلانها «خدمة موثوقة وسريعة» دون أثر يُذكر. ثم استبدلت بها: «نفّذنا 1,240 نقلة العام الماضي، وعوّضنا 3 عملاء عن خدوش، وتقييمات عملائنا منشورة على صفحتنا». بعد أسابيع صار العملاء يتصلون ويذكرون الرقم بأنفسهم، ويسألون عن مواعيد الشهر القادم.
05
تحرير المسودة على مراحل وبصوت مسموع
تحرير كل شيء دفعة واحدة مرهق، لذلك تقسّم هاندلي العمل إلى جولات منفصلة. الجولة الأولى للبنية: هل الفكرة الرئيسة في البداية، وهل يستحق كل قسم مكانه؟ والثانية للحذف: التكرار، والمقدمات التي تدور حول الموضوع، والتحفظات الزائدة. والثالثة للوضوح: كلمات بسيطة بدل الغامضة والمصطلحات المتخصصة. والرابعة للدقة: الأسماء والأرقام والروابط. ثم تأتي قراءة النص كاملًا بصوت مسموع، فالأذن تلتقط ما تتخطاه العين من جمل متشابكة وكلمات ناقصة ونبرة آلية. ونواصل التعديل حتى يبدو النص صوتنا ونحن نخاطب القارئ الذي سمّيناه في البداية.
أعدّ مدير جمعية خيرية في الإسكندرية نداء تبرعات لموسم الشتاء. في جولة الحذف اكتشف أنه ذكر اسم الجمعية 11 مرة فخفّضها إلى مرتين، وفي جولة الدقة صحّح رقم حساب كانت تنقصه خانة. وحين قرأ النداء بصوت مرتفع على زميلة، توقف عند فقرة تشبه تقريرًا رسميًّا، فأعاد كتابتها بلغة الحديث اليومي.
جرّبه اليوم
اختيار رسالة واحدة يلزم إرسالها اليوم، وكتابة اسم قارئها والطلب الوحيد منه في أعلاها، ثم كتابة مسودة سريعة، وحذف ثلثها، وقراءتها بصوت مسموع قبل الإرسال.
اختبار سريع
ما المهمة الأساسية للمسودة الأولى عند هاندلي؟
أيّ تعديل يطبّق درس «الدليل القابل للتحقق» على أفضل وجه؟
اقتباسات مختارة
«الكتابة عادة، لا فن.»
«فلنجعل العميل بطل قصتنا.»
«تبدأ كل كتابة جيدة تقريبًا بمحاولات أولى رديئة.»
