BookYol

كيف نتعلّم

بنديكت كاري

How We Learn

يجمع الصحفي العلمي بنديكت كاري في كتاب «كيف نتعلّم» خلاصة قرن من أبحاث الذاكرة، وينتهي إلى نتيجة مزعجة: كثير من العادات التي نثق بها، كإعادة القراءة والحشو ليلة الامتحان والانغماس في موضوع واحد، أضعف أثرًا من أساليب تبدو مرهقة. محاولة التذكر قبل النظر، وتوزيع المراجعة على فترات، وخلط الموضوعات، وأخذ استراحات حقيقية، والنوم، كلها تجعل التعلم أرسخ.

يذاكر أكثرنا بالطريقة التي اعتادها في المدرسة: تظليل السطور، وإعادة القراءة، والتكرار حتى يبدو النص مألوفًا. اعتراض كاري أن هذه الألفة فخ؛ فسلاسة النص أمام أعيننا لا تعني قدرتنا على استدعائه والكتاب مغلق.

الكتاب في جوهره

يبني كاري، الصحفي العلمي في صحيفة نيويورك تايمز، كتابه حول أبحاث علماء نفس مثل روبرت وإليزابيث بيورك، وتتردد في فصوله فكرتهما عن «الصعوبات المرغوبة» ⁦(Desirable Difficulties)⁩: قدر من المشقة أثناء التعلم، كاستخراج المعلومة من الذاكرة، أو نسيانها جزئيًا، أو الاضطرار إلى اختيار الطريقة المناسبة، هو بالضبط ما يجعل الذاكرة متينة.

لا يقدّم الكتاب نظامًا صارمًا، بل مجموعة تعديلات: إغلاق الكتاب ومحاولة التذكر، وتوزيع الساعات نفسها على أيام أكثر، وخلط أنواع المسائل، والابتعاد المقصود عن المسألة المستعصية، واعتبار النوم جزءًا من المذاكرة لا منافسًا لها. والنتائج ليست بالقوة نفسها؛ فالتذكر الاسترجاعي والمراجعة المتباعدة من أكثر نتائج علم التعلم ثباتًا، أما ما يخص مراحل النوم و«الاحتضان» الذهني فيحتاج إلى قراءة أكثر حذرًا، وكاري صريح في هذا الفرق غالبًا.

لمن هذا الكتاب

  • طلاب يستعدون لامتحانات مصيرية كالثانوية العامة واختبار القدرات، ويريدون مذاكرة أذكى لا أطول
  • موظفون يتعلمون لغة جديدة أو برمجة أو مهارة مهنية إلى جانب العمل
  • معلمون ومدربون وآباء وأمهات يساعدون أبناءهم في المذاكرة

لمن لا يناسب

  • — من يبحث عن جدول مذاكرة جاهز خطوة بخطوة
  • — من يتابع أبحاث الذاكرة على مستوى أكاديمي؛ فالكتاب يبقى في حدود العلم المبسّط

أهم الدروس

01

إغلاق الكتاب ومحاولة التذكر

تبدو إعادة القراءة مثمرة لأن النص يصبح مألوفًا، لكن التعرّف على المعلومة غير استدعائها. ومحاولة استخراج الإجابة من الذاكرة قبل التحقق منها، وهو ما يسمى التذكر الاسترجاعي ⁦(Retrieval Practice)⁩، تترك أثرًا أقوى بكثير من قراءة الصفحة مرة أخرى. يعرض كاري تجارب تفوّق فيها طلاب خصصوا جزءًا من وقتهم لاختبارات قصيرة على زملائهم الذين اكتفوا بإعادة القراءة، مع أن هؤلاء شعروا بثقة أكبر. فالاختبار ليس أداة قياس فحسب، بل هو المذاكرة نفسها، وحتى الإجابة الخاطئة ثم التصحيح تفيد.

نورة طالبة في السنة الثانية بكلية الطب في الرياض، كانت تعيد قراءة ملخص التشريح كل ليلة. غيّرت طريقتها: ترسم مخططًا فارغًا لعظام اليد وتملأ الأسماء من ذاكرتها، ثم تقارنه بالأطلس. في المحاولة الأولى أصابت 4 أسماء من أصل 27. بعد أسبوعين من الرسم المتكرر صارت تملأ المخطط كاملًا تقريبًا في دقائق.

02

توزيع المراجعة على فترات متباعدة

الساعات نفسها، إذا وُزّعت على أيام متفرقة، تعطي نتيجة أرسخ بكثير من جلسة واحدة طويلة. حين نعود إلى المادة بعد انقطاع نكون قد نسينا بعضها، وجهد استعادة المنسي هو ما يعيد بناء الذاكرة بصورة أمتن مما لو راجعناها وهي طازجة. هذا هو مبدأ المراجعة المتباعدة ⁦(Spaced Repetition)⁩، ويمكن أن تتسع الفجوات تدريجيًا: يوم، ثم أيام، ثم أسبوع أو أكثر. الحشو قد ينقذ امتحان الغد، أما ما يبقى بعد شهر فتصنعه المراجعة الموزعة. والنسيان بين الجلسات ليس وقتًا ضائعًا، بل شرط لأن تؤتي كل مراجعة ثمرتها.

يستعد كريم، المحاسب في شركة بالقاهرة، لامتحان شهادة مهنية بعد 3 أشهر. بدلًا من تخصيص يوم الجمعة كله للمذاكرة، صار يقضي 40 دقيقة يوميًا في المترو بين حلوان ووسط البلد، ويبدأ كل جلسة بحل 5 أسئلة من فصول قديمة قبل أي فصل جديد. في الامتحان التجريبي الأخير لم يجد فصلًا تبخّر من ذاكرته.

03

خلط أنواع المسائل في الجلسة الواحدة

حلّ عشرين مسألة من النوع نفسه متتالية يمنح تقدمًا سلسًا وثقة زائفة، لأننا نعرف مسبقًا الطريقة المطلوبة. أما التدريب المتداخل ⁦(Interleaving)⁩، أي خلط أنواع مختلفة في جلسة واحدة، فيبدو أبطأ وأكثر فوضى، ومع ذلك أظهرت دراسات في الرياضيات والمهارات الحركية، بل في تمييز أساليب الرسامين، أنه يعطي نتائج أفضل في الاختبارات اللاحقة. السبب بسيط: الامتحان الحقيقي والحياة الحقيقية لا يعلنان نوع المسألة مسبقًا، والخلط يدرّب على تمييز المسائل واختيار الأداة المناسبة لكل منها.

تتعلم ريم الخط العربي في مرسم بجدة، وكانت تملأ صفحة كاملة بحرف العين قبل أن تنتقل إلى غيره. اقترح أستاذها أن تكتب في كل سطر كلمات تجمع حروفًا مختلفة. بدت الصفحات الأولى أقل إتقانًا وأزعجها ذلك، لكنها حين كتبت أول لوحة كاملة بعد شهرين وجدت يدها تنتقل بين الحروف دون تردد.

04

الابتعاد والنسيان والنوم شركاء في التعلم

تحتاج المسائل الصعبة إلى إيقاعين: عمل مركّز يحمّل المسألة في الذهن، ثم استراحة حقيقية. يعرض كاري أبحاث «الاحتضان» ⁦(Incubation)⁩ التي تشير إلى أن الابتعاد عند الوصول إلى طريق مسدود قد يساعد الحل على الظهور. ويعيد تعريف النسيان أيضًا: فهو في الغالب يُضعف الوصول إلى المعلومة ولا يمحوها، وإعادة تعلّم ما نُسي جزئيًا تجعله أقوى. أما النوم فيبدو أنه يثبّت ما ذاكرناه ويعيد تنظيمه. والسهر حتى الفجر يعني التضحية بالعملية نفسها التي كانت ستثبّت المادة.

يعمل سالم مهندسًا في دبي، وأمضى ساعتين أمام خلل في نظام تبريد مبنى دون أن يجد سببه. بدلًا من السهر في المكتب، دوّن الاحتمالات التي استبعدها، ومشى نصف ساعة على شاطئ جميرا، ونام مبكرًا. في الصباح، وهو يقرأ ملاحظته مع فنجان القهوة، انتبه إلى أنه افترض سلامة أحد الحساسات دون أن يتحقق منه.

جرّبه اليوم

اختيار موضوع ذاكرناه هذا الأسبوع، وإغلاق الملاحظات، وكتابة كل ما نتذكره على ورقة بيضاء لمدة 10 دقائق، ثم مقارنته بالأصل. وتحديد موعد للتمرين نفسه بعد 3 أيام.

اختبار سريع

وفق الأبحاث التي يعرضها كاري، أي أسلوب يقوّي الذاكرة أكثر في العادة؟

لماذا يتفوق التدريب المتداخل على التدريب المجمّع في الغالب؟

اقتباسات مختارة

«من الخصائص الغريبة لذاكرتنا أن الأشياء تنطبع فيها بالتكرار النشط أفضل مما تنطبع بالتكرار السلبي.»
ويليام جيمس · من كتاب «مبادئ علم النفس» (1890)، ويُستشهد بها كثيرًا بوصفها صياغة مبكرة لأثر الاختبار قبل قرن من التجارب التي يعرضها كاري.
«نتعلّم حين نعلّم.»
سينيكا · من «رسائل إلى لوسيليوس». شرح المادة لشخص آخر صورة من صور التذكر الاسترجاعي، وهي ملاحظة قديمة تتفق مع فكرة الكتاب الأساسية.