الفعل الإبداعي: طريقة للوجود
ريك روبين
The Creative Act: A Way of Being
«الفعل الإبداعي» كتاب يرى فيه ريك روبين أن الإبداع طريقة في الانتباه، لا موهبة محصورة في الفنانين. يعرض المنتج الموسيقي الذي عمل مع جوني كاش وفرقة ريد هوت تشيلي بيبرز، عبر فصول قصيرة، عادات أساسية: الملاحظة بعين جديدة، والإنتاج الغزير قبل الحكم، وتلقي الملاحظات دون دفاع، وإطلاق العمل حين يتوقف عن التحسن.
قال روبين في مقابلة مع برنامج 60 Minutes عام 2023 إنه لا يملك أي مهارة تقنية ولا يعرف شيئًا عن الموسيقى، ومع ذلك أسهم في صنع بعض أهم الأسطوانات على مدى 4 عقود. يشرح الكتاب ما يعتمد عليه بدلًا من المعرفة التقنية.
الكتاب في جوهره
الكتاب أقرب إلى دفتر تأملات منه إلى دليل عملي: فصول قصيرة لا يتجاوز كثير منها 3 صفحات، ويدور كل منها حول فكرة واحدة. يسمي روبين المادة الموجودة قبل أن نصنع أي شيء «المصدر» (The Source). يمكن فهم هذا المفهوم فهمًا روحيًا، أو بوصفه استعارة للانتباه، والنتيجة العملية واحدة في الحالتين: المادة حولنا، والمهارة الحقيقية في رؤيتها.
بصراحة، قوة الكتاب في أنه يمنح الإذن ويغيّر زاوية النظر، وضعفه في الموضع نفسه: يكرر أفكاره، ويبقى غامضًا أحيانًا، ولا يقدم خطوات منهجية ولا أبحاثًا. أفضل طريقة لقراءته فصل واحد في اليوم، مع تجربة فكرته طوال ذلك اليوم، وتزداد فائدته كثيرًا حين يرافقه تمرين منتظم.
استخلصنا منه في هذا المسار 4 محطات: الملاحظة بعين المبتدئ، والمسودة الفوضوية، والملاحظات التي تشير إلى الموضع ولا تفرض الحل، وإنهاء العمل وإطلاقه. الدروس التالية خلاصة هذه المحطات.
لمن هذا الكتاب
- كل من يصنع شيئًا ويشعر بالتعثر، في الكتابة أو الموسيقى أو التصميم أو البرمجة.
- المهنيون في مجالات غير فنية ممن يحتاجون إلى أفكار جديدة في عملهم.
- المديرون والمحررون والمعلمون الذين يقدمون ملاحظات بانتظام.
- أصحاب النزعة الكمالية الذين يواصلون التعديل ولا ينشرون أعمالهم.
لمن لا يناسب
- — الباحثون عن دليل تقني خطوة بخطوة أو عن علم نفس للإبداع قائم على الأبحاث.
- — من ينفر من اللغة الروحية، إذ يكثر الكتاب من مفاهيم مثل «المصدر» و«الكون».
أهم الدروس
01
الملاحظة بعين المبتدئ
ينطلق روبين من فكرة بسيطة: المادة الإبداعية موجودة في كل مكان، وما ينقصنا هو الانتباه. تصنّف العادة المألوف خلال ثوانٍ على أنه «عادي»، فنكف عن رؤيته. والتمرين هنا إعادة النظر: أن ننظر إلى الشارع الذي نمر به يوميًا، أو الصوت الذي نسمعه، أو الحديث الذي نخوضه، كأننا نلقاه أول مرة، وأن نسجل التفصيل لا التصنيف. ويسمى هذا الموقف عقل المبتدئ (Beginner's Mind)، وليس فيه شيء غامض؛ فهو ما يفعله الصحفيون والمصممون وكتّاب الأغاني يوميًا. وكل ما نلاحظه حقًا يصبح مادة خامًا نستطيع أن نركّب منها لاحقًا.
يعمل فيصل خطّاطًا في جدة، وكان يشعر أن لوحاته الأخيرة متشابهة. قرر أن يدوّن كل مساء تفصيلًا واحدًا لم ينتبه إليه من قبل في طريقه إلى حي البلد القديم: انحناءة حرف في لافتة محل عطارة، وظل الرواشين على الجدار وقت العصر. بعد 3 أسابيع صار ظل الرواشين أساس تكوين جديد، وبيعت منه 5 لوحات في معرض واحد.
02
اللعب أولًا والحكم لاحقًا: المسودة الفوضوية
الحكم على الأفكار وتوليدها عمليتان لا يحسن العقل أداءهما في الوقت نفسه. يرى روبين أن النقد المبكر يقتل الأفكار قبل أن تكشف عن إمكاناتها. والحل فصل المرحلتين: إنتاج نسخ كثيرة خشنة، بل رديئة أحيانًا، ثم تأجيل التقييم. قد لا تصلح 9 مسودات من 10، لكننا لا نبلغ العاشرة إلا بعد إنجاز التسع. الهدف في هذه المرحلة هو الكمّ والفضول، لا الجودة. وقبل حذف فكرة لأنها تبدو سخيفة، يفيد الانتظار يومًا كاملًا؛ فأغرب الأفكار كثيرًا ما تكون أكثرها خصوصية.
تدرس مريم العمارة في جامعة القاهرة، وأمامها أسبوع لتصميم واجهة مكتبة حي في مصر الجديدة. بدل التمسك بفكرة واحدة، رسمت في جلستين 30 رسمًا تخطيطيًا سريعًا بقلم الرصاص دون أن تمحو شيئًا. حين عادت إليها بعد يومين استبعدت معظمها، لكن رسمًا صغيرًا لنوافذ على هيئة رفوف كتب صار المشروع الذي اختاره المشرف للعرض.
03
تقديم ملاحظات تشير إلى الموضع ولا تفرض الحل
أنفع التغذية الراجعة (Feedback) تخبر صاحب العمل أين فقدنا الاهتمام، وتترك له إيجاد الحل. عبارة «هذه الفقرة زائدة والأفضل حذفها» وصفة جاهزة، أما «تشتت انتباهي في الصفحة الثالثة» فإشارة. والإشارة أثمن، لأن تحديد موضع المشكلة شيء، وإيجاد علاجها شيء آخر يتقنه صاحب العمل غالبًا أكثر منا. والتلقي مهارة أيضًا: الإصغاء وتدوين ما يقال دون شرح أو دفاع. تجربة الشخص الآخر معطى نتعلم منه، لا ادعاء نجادل فيه، وقرار ما سنطبقه يأتي لاحقًا بهدوء.
أعدّت هند في دبي حلقة تجريبية لبودكاست عن المطبخ الإماراتي، وأرسلتها إلى 3 مستمعين. لم يقل لها أحدهم «المقدمة تحتاج إلى تغيير»، بل قال: «في الدقيقة السابعة لم أعد أعرف إلى أين نتجه». دوّنت هند الملاحظة دون أن تبرر شيئًا، ثم اكتشفت أن القفز بين وصفتين هو السبب، فأعادت ترتيب الحلقة في ساعة واحدة.
04
إنهاء العمل وإطلاقه والبدء في التالي
معيار روبين واضح: حين تتوقف التعديلات عن جعل العمل أفضل وتكتفي بجعله مختلفًا، يكون العمل قد انتهى. والاستمرار بعد هذه النقطة كثيرًا ما يكون قلقًا متنكرًا. والإطلاق لا يعني إعلان الكمال، بل ترك العمل يمضي إلى العالم لإفساح المجال لما يليه. فالنمو لا يأتي من صقل عمل واحد إلى الأبد، بل من حمل ما تعلمناه إلى العمل التالي. ويرى روبين أن الأعمال غير المنشورة تشغل حيزًا في الذهن وتعيق الجديد. لذلك يفيد استبدال سؤال «هل انتهى؟» بسؤال أدق: «هل حسّنت آخر 3 تعديلات العمل فعلًا؟»
تصمم نورة حليًا فضية في الرياض، وظلت 8 أشهر تعدّل مجموعة من الأقراط دون أن تعرضها. حين قارنت صور آخر 4 نسخ لم تجد فرقًا يلاحظه أي مشترٍ. طرحت 20 قطعة في متجرها الإلكتروني بسعر 350 ريالًا، فنفدت 12 منها في أسبوعين، وأخبرتها تعليقات الزبائن بما تحتاجه المجموعة القادمة أكثر مما أخبرتها شهور التعديل.
جرّبه اليوم
اختيار عمل واحد نشتغل عليه، وضبط مؤقت على 20 دقيقة، وإنتاج 10 نسخ خشنة دون الحكم على أي منها: عناوين أو رسوم أو جمل افتتاحية. وفي الغد اختيار نسخة واحدة وطرح سؤال واحد على صديق: «أين فقدتَ الاهتمام؟»
اختبار سريع
متى يكون العمل جاهزًا للإطلاق بحسب روبين؟
أي الملاحظات أنفع بحسب الكتاب؟
اقتباسات مختارة
«أن نعيش الحياة بوصفنا فنانين طريقةٌ في الوجود في هذا العالم.»
«لا أملك أي مهارة تقنية، ولا أعرف شيئًا عن الموسيقى.»
«الغاية ليست صنع الفن، بل أن نكون في تلك الحالة الرائعة التي تجعل الفن أمرًا حتميًا.»
