BookYol

لماذا لم يخبرني أحد بهذا من قبل؟

جولي سميث

Why Has Nobody Told Me This Before?

كتاب جولي سميث دليل عملي للصحة النفسية، كتبته اختصاصية في علم النفس السريري، وحوّلت فيه أدوات العلاج إلى فصول قصيرة سهلة التطبيق. ورسالته في القلق واضحة: القلق جهاز إنذار شديد الحساسية وليس عدوًّا. ويمكننا أن نتعلم تسمية أفخاخ التفكير، وإفساح المجال للشعور، وتهدئة الجسد.

يتسارع النبض فجأة، ويبدأ العقل في رسم أسوأ الاحتمالات، ولم يشرح لنا أحد أن ما يحدث نظام حماية يعمل وليس عطلًا. وعنوان الكتاب يشير إلى هذه الفجوة بالتحديد.

الكتاب في جوهره

جولي سميث اختصاصية في علم النفس السريري تعمل في بريطانيا. وصلت أفكارها من غرفة العلاج إلى ملايين المتابعين عبر مقاطع قصيرة، ثم جمعتها في هذا الكتاب. يتناول الكتاب في أقسام مستقلة المزاج المنخفض، والدافعية، والألم العاطفي، والحزن على الفقد، والشك في الذات، والخوف، والضغط النفسي. وقد صُمّم مثل صندوق أدوات يمكن فتحه عند الفصل المطلوب. يستند إلى مناهج قائمة على الأدلة، مثل العلاج المعرفي السلوكي ⁦(Cognitive Behavioural Therapy)⁩ والعلاج بالقبول والالتزام ⁦(Acceptance and Commitment Therapy)⁩ وتمارين التنفس، لكنه يشرحها بلغة يومية بعيدة عن المصطلحات المعقدة.

جوهر فصول القلق أن القلق إنذار يطلقه الدماغ والجسد حين يستشعران تهديدًا، وقد ينطلق أحيانًا من غير حريق. والغاية ليست إسكاته، بل التعرف إلى إشاراته واختيار طريقة الاستجابة له. وتقترح سميث طريقًا من 3 طبقات: أولًا التقاط التوقعات التي تدور في الذهن، ثم إفساح المجال للشعور في الجسد، وأخيرًا خفض حساسية الإنذار عمومًا عبر عادات يومية.

وللأمانة، هذا ليس كتابًا نظريًا عميقًا، فمعظم أفكاره معروفة في أدبيات العلاج منذ سنوات. قيمته الحقيقية أنه يجعلها قريبة وقابلة للتطبيق. ومن يعاني نوبات هلع شديدة أو اضطراب قلق يعطّل حياته اليومية، فالكتاب نفسه ينصحه بمراجعة مختص. هو رفيق للعلاج، لا بديل عنه.

لمن هذا الكتاب

  • من يريد أن يفهم لماذا يبدو القلق جسديًا إلى هذا الحد
  • من يبحث عن أدوات عملية قبل بدء العلاج النفسي أو إلى جانبه
  • القرّاء الذين يفضّلون فصولًا قصيرة يمكن قراءتها من أي موضع على كتب النظريات الطويلة
  • الطلاب والموظفون الراغبون في ملاحظة الحيل التي يمارسها العقل عليهم

لمن لا يناسب

  • — من يبحث عن علاج سريري لاضطراب القلق، فالكتاب يدعم العلاج لكنه لا يحلّ محلّه
  • — من يريد تعمّقًا في الأبحاث النفسية ومناهجها

أهم الدروس

01

القلق إنذار لا عدوّ

ترى سميث أن القلق نظام إنذار تطوّر ليحمينا من الخطر. فخفقان القلب، والتنفس السطحي، وانقباض المعدة علامات على أن الجسد يستعد للهرب أو المواجهة، وهو ما يُعرف باستجابة الكرّ أو الفرّ ⁦(Fight or Flight)⁩. المشكلة أن هذا الإنذار قد ينطلق أمام اجتماع أو رسالة غامضة كما لو كانت حريقًا. وحين ننظر إليه بوصفه حارسًا متحمسًا أكثر من اللازم، لا علامة ضعف، نتوقف عن مصارعته ونبدأ في قراءة إشاراته. ومعرفة العلامات الأولى لإنذارنا هي الشرط الأول للتعامل معه.

يعمل سلطان محاسبًا في الرياض، وقبل اجتماع الميزانية السنوي تتعرّق كفّاه ويتسارع نبضه. كان يقرأ ذلك سابقًا دليلًا على أنه غير كفء. أما الآن فيقول لنفسه إن جهاز الإنذار يؤدي عمله بحماس زائد. يشرب كوب ماء، ويراجع أرقامه مرة أخيرة، ثم يدخل الاجتماع وقلبه ما زال سريعًا، لكنه لم يعد يقوده.

02

تسمية فخ التفكير

لا تسير دوامات القلق عشوائيًا، بل تدور حول أنماط قليلة متكررة تُسمّى التشوهات المعرفية ⁦(Cognitive Distortions)⁩. فالتهويل ⁦(Catastrophising)⁩ يقفز من عثرة صغيرة إلى أسوأ نتيجة ممكنة، وقراءة الأفكار ⁦(Mind Reading)⁩ تفترض أن الآخرين يحكمون علينا سلبًا، والتنبؤ بالمستقبل يدّعي أننا نعرف ما سيحدث. وتقترح سميث أن نبدأ بملاحظة النمط وتسميته قبل مجادلته: «هذا تهويل». هذه التسمية البسيطة تصنع مسافة صغيرة بيننا وبين الفكرة، فتبدو تخمينًا اعتاده العقل لا حقيقة ثابتة.

تلقّت ريم، طالبة الطب في الإسكندرية، ردًّا مقتضبًا من صديقتها على رسالة طويلة، فبدأ عقلها يبني قصة كاملة عن خلاف لم يحدث. توقفت وسمّت ما يجري: «قراءة أفكار»، ثم عادت إلى مذاكرة التشريح. بعد ساعة اتصلت صديقتها معتذرة، فقد كانت تقود السيارة على الطريق الساحلي.

03

إفساح المجال للشعور بدلًا من محاربته

كثيرًا ما تؤدي محاولة كبت القلق إلى تضخيمه، لأنها تشدّ انتباهنا إليه أكثر. وتستعير سميث من العلاج بالقبول والالتزام فكرة أننا لسنا مضطرين إلى حب الشعور أو الرغبة فيه، لكننا نستطيع أن نمنحه مساحة: ملاحظة موضعه في الجسد، والتنفس حوله، وتركه يعلو ويهبط كالموجة. وإفساح المجال ليس استسلامًا، فالشعور يبقى حاضرًا بينما نواصل فعل ما يهمنا. يمكن للقلق أن يجلس في المقعد المجاور من غير أن نسلّمه المقود.

يشعر عمر، مدرّس الفيزياء في جدة، بضيق في صدره كلما اقترب موعد زيارة المشرف التربوي لصفّه. بدلًا من محاولة طرد الشعور، يضع يده على صدره دقيقة قبل الحصة، ويتنفس نحو موضع الضيق، ويقول في سرّه: «هذا الضيق موجود، وسأشرح الدرس معه». تمرّ الحصة والضيق حاضر في الخلفية، لكن الشرح يسير كما خطّط له.

04

تجهيز عُدّة للتأريض في لحظات الإنذار

حين يجتاح الإنذار الجسد يصعب التفكير المنطقي، ولهذا تنفع الأدوات البسيطة المجهزة مسبقًا. ومن أكثر ما تؤكده سميث إطالة الزفير عن الشهيق، لأن الزفير الطويل يرسل إلى الجهاز العصبي إشارة بأن الخطر قد مرّ. ويساعد أيضًا ضغط القدمين على الأرض، أو تسمية 5 أشياء نراها، أو إمساك شيء بارد، على إعادة الانتباه إلى اللحظة الحاضرة. تُعرف هذه الوسائل بتقنيات التأريض ⁦(Grounding)⁩، وغايتها أن نثبت مع الشعور لا أن نمحوه.

في طابور طويل داخل مطار دبي، تشعر هالة، مصممة الأزياء، بموجة دوار وخفقان قبل رحلة عمل. تتذكر ما جهّزته مسبقًا، فتُخرج قنينة ماء باردة من حقيبتها، وتضغط قدميها على الأرض، وتطيل الزفير. ثم تسمّي في ذهنها ما تراه: لوحة الرحلات، وحقيبة زرقاء، وطفلًا يضحك. بعد دقائق يهدأ نَفَسها بما يكفي لتكمل الطابور.

05

بناء روتين هادئ يمكن الالتزام به

المعركة الكبرى مع القلق لا تُحسم في لحظة الأزمة، بل في الأيام العادية التي تحدد حساسية الإنذار. فالنوم المضطرب، وقلة الحركة، والساعات الطويلة أمام الشاشات تجعل الإنذار ينطلق بسهولة أكبر. وتؤكد سميث أن انتظام النوم، والحركة المنتظمة، ومراجعة يومية قصيرة للمشاعر، وفعلًا صغيرًا ينسجم مع قيمنا، أكثر موثوقية من قوة الإرادة في اللحظة الحرجة. والمهم ليس برنامجًا مثاليًا، بل خطوات صغيرة بما يكفي لنواظب عليها حتى في الأيام السيئة.

يدير يوسف مطعمًا صغيرًا في القاهرة، ويعود إلى البيت بعد منتصف الليل منهكًا وقلقًا. لم يضع خطة كبيرة، بل اختار 3 خطوات: موعد نوم ثابت حتى في أيام الإجازة، ومشي 20 دقيقة بعد صلاة الفجر، ودقيقتين كل مساء يسأل فيهما نفسه عن شعوره ويكتب جملة واحدة. بعد 6 أسابيع لم يختفِ القلق، لكنه صار يستيقظ أقل توترًا.

جرّبه اليوم

عند أول موجة قلق اليوم: تسمية الفكرة باسم نمطها (التهويل أو قراءة الأفكار)، ثم 5 أنفاس يطول فيها الزفير عن الشهيق، ثم ضغط القدمين على الأرض وتسمية 3 أشياء نراها حولنا.

اختبار سريع

ما الوصف الأدق للقلق بحسب سميث؟

ما الخطوة الأولى التي يقترحها الكتاب عند الوقوع في دوامة أفكار قلقة؟

اقتباسات مختارة

«المشاعر ليست حقائق.»
جولي سميث · قاعدة شائعة في العلاج النفسي تلخّص روح فصول القلق في الكتاب: الشعور بالقلق لا يثبت أننا في خطر. ليس لها قائل محدد معروف، بل يتداولها المعالجون.
«نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع.»
سينيكا · من «رسائل إلى لوسيليوس»، وهي ملاحظة عمرها ألفا عام تتوافق مع ما يقوله الكتاب عن التهويل.