BookYol

دليل · أفضل الكتب · قراءة في 7 دقائق

أفضل الكتب لتفكير أوضح: ترتيب القراءة المقترح للمبتدئ

نبدأ بكتاب «فن التفكير الواضح» لرولف دوبيلي لنتعلّم أسماء الأخطاء الشائعة. ثم نقرأ «Factfulness» لهانس روسلينغ لنختبر صورتنا عن العالم بالأرقام، و«التفكير بالرهانات» لآني ديوك لنفصل القرار عن نتيجته، و«التنبؤ الفائق» لتيتلوك وغاردنر لنضع أرقامًا على قناعاتنا. ونختم بـ«عقلية الكشّاف» لجوليا غاليف لنريد الحقيقة حتى حين تؤلم. كل كتاب يضيف طبقة، ولا يكفي أيّ منها وحده.

1.1. «فن التفكير الواضح»: معجم للأخطاء

يتألف كتاب دوبيلي ⁦(The Art of Thinking Clearly)⁩ من 99 فصلًا قصيرًا. يتناول كل فصل في صفحات قليلة خطأً واحدًا من أخطاء التفكير، مثل انحياز البقاء ⁦(Survivorship Bias)⁩ ومغالطة التكلفة الغارقة ⁦(Sunk Cost Fallacy)⁩ والانحياز التأكيدي ⁦(Confirmation Bias)⁩ وانحياز الإدراك المتأخر ⁦(Hindsight Bias)⁩ والانجذاب إلى القصة المحكمة. ويمكن إنهاء فصل منه في انتظار قصير عند الطبيب. لهذا يأتي أولًا: قبل أن نلتقط خطأً في تفكيرنا نحتاج إلى اسم له، وهذا الكتاب يمنحنا عشرات الأسماء في وقت قصير.

غير أن القراءة الواعية تقتضي معرفة حدوده. فهو فهرس وليس أطروحة متماسكة. ودوبيلي روائي ورجل أعمال وليس باحثًا، وكثير من مادته مكثّف من أعمال كانيمان وتشالديني وطالب وغيرهم، وأحيانًا بإسناد أضعف مما ينبغي. كما تراجعت بعض الدراسات التي يعتمد عليها في أزمة قابلية التكرار التي شهدها علم النفس، وتتداخل مداخله الـ99 أكثر مما يوحي به ترقيمها.

ومعرفة اسم الانحياز لا تمنعنا من الوقوع فيه، والأبحاث في هذه المسألة باعثة على التواضع. الأجدى إذن استعماله دليلًا للإحالة: حين يصيبنا فصل في الصميم، نعود إلى المصدر الأصلي.

2.2. «Factfulness»: رؤية العالم بالأرقام من جديد

يفتتح روسلينغ الكتاب باختبار من 13 سؤالًا عن العالم، منها نسبة الفقر المدقع ونسبة تطعيم الأطفال وعدد سنوات تعليم الفتيات. ويحصل معظم القراء المتعلمين، والخبراء منهم، على نتيجة أسوأ مما يحصل عليه شمبانزي يختار الإجابات عشوائيًا. ثم يفسّر بقية الكتاب ذلك بعشر غرائز ⁦(Instincts)⁩: الفجوة، والسلبية، والخط المستقيم، والخوف، والحجم، والتعميم، والقدر، والمنظور الواحد، واللوم، والاستعجال. وغريزة الحجم ⁦(Size Instinct)⁩ مثال واضح: الرقم المعزول يبدو مخيفًا إلى أن نقارنه برقم آخر أو نقسمه على عدد السكان.

يأتي الكتاب ثانيًا لأن أخطاء دوبيلي قد تبقى مجردة، أما روسلينغ فيختبرها على صورتنا نحن عن العالم، ويترك الاختبار حرجًا نافعًا. وأسلوبه دافئ، فقد عمل عليه روسلينغ وهو يصارع مرضًا عضالًا، فجاء أشبه بمحاضرة وداع.

وللإنصاف، تتوقف بياناته عند عام 2017 تقريبًا، لذا يلزم الرجوع إلى موقع Gapminder للأرقام الحديثة. ويرى بعض النقاد أنه مفرط في التفاؤل بشأن الاتجاهات العامة. لكن روسلينغ نفسه يُصرّ على أن «أفضل» و«سيئ» قد يصدقان معًا، ويسمّي الأوبئة العالمية والانهيار المالي والحرب العالمية وتغيّر المناخ والفقر المدقع مخاطر حقيقية. فالكتاب منهج لفحص الأرقام، وليس طمأنة بأن كل شيء على ما يرام.

3.3. «التفكير بالرهانات»: فصل القرار عن النتيجة

آني ديوك لاعبة بوكر محترفة سابقة درست علم النفس المعرفي. تبني كتابها «التفكير بالرهانات» ⁦(Thinking in Bets)⁩ حول التباس واحد تسميه الحكم بالنتيجة ⁦(Resulting)⁩، أي تقييم القرار بحسب ما آل إليه. ومثالها الافتتاحي قرار المدرب بيت كارول في الثواني الأخيرة من نهائي دوري كرة القدم الأمريكية عام 2015، إذ اختار تمريرة اعترضها الخصم، فوُصف القرار بأنه الأسوأ في التاريخ. وتبيّن ديوك أن القرار كان قابلًا للدفاع عنه، وأن النتيجة تعود في جزء كبير منها إلى الحظ. فالحياة عندها أقرب إلى البوكر منها إلى الشطرنج: المعلومات ناقصة، والحظ حاضر على الطاولة.

أدواتها بسيطة ونافعة. منها سؤال «هل نراهن على ذلك؟» لقياس درجة يقيننا الفعلية، والتعبير عن القناعات بنسب مئوية، وتكوين مجموعة صغيرة للبحث عن الحقيقة تراجع القرارات بحسب طريقة اتخاذها لا بحسب نتيجتها. وهنا ينتقل الطريق من رصد الأخطاء إلى اتخاذ القرار في ظل عدم اليقين.

ومن الأمثلة القريبة منى، وهي مهندسة من الإسكندرية قارنت الراتب وتكاليف السكن والمدارس قبل أن تقبل عرض عمل في دبي، ثم أُلغي قسمها بعد 8 أشهر. هذا الإلغاء وحده لا يجعل قرارها خاطئًا. فالسؤال الصحيح هو ما الذي كان في وسعها معرفته يومها، وما الذي أغفلته.

أما نقطة ضعف الكتاب فهي أن فكرته الأساسية تتسع لها مقالة طويلة، وأنه يكررها كثيرًا، وقد لا تستهوي حكايات البوكر كل القراء. ثم إن فصل الحظ عن المهارة سهل في القول صعب في التطبيق، وعبارة «كان حظًا سيئًا» قد تتحول بسهولة إلى ذريعة. وتتناول ديوك هذا الفخ صراحة، أي ميلنا إلى نسبة النجاح إلى مهارتنا والفشل إلى الحظ، لكن الحدّ الفاصل يظل صعب الرسم عمليًا. وتكفي قراءة النصف الأول بعناية وتصفّح الباقي.

4.4. «التنبؤ الفائق»: وضع الأرقام على القناعات

كان تيتلوك قد أثبت في دراسة امتدت سنوات أن تنبؤات الخبراء السياسيين لا تفوق المصادفة في المتوسط إلا قليلًا (Expert Political Judgment، 2005). ويروي «التنبؤ الفائق» ⁦(Superforecasting)⁩ تتمة القصة. فبين عامَي 2011 و2015 نظّمت الوكالة البحثية التابعة للاستخبارات الأمريكية IARPA بطولة للتنبؤ، شارك فيها مشروع تيتلوك المسمّى Good Judgment Project بآلاف المتطوعين. وتفوّقت مجموعة صغيرة منهم، هي «المتنبئون الفائقون»، على البقية بثبات، بل تفوّقت بحسب ما نُقل على محللين يطّلعون على معلومات سرية. وقيست الدقة بمقياس براير ⁦(Brier Score)⁩ الذي يقارن الاحتمالات المتوقعة بما وقع فعلًا.

وما يفعله هؤلاء قابل للتعلّم. فهم يبدؤون بالنظرة الخارجية ⁦(Outside View)⁩، أي المعدل الأساسي لحالات مشابهة، قبل الخوض في التفاصيل. ويفككون السؤال الكبير إلى أجزاء صغيرة على طريقة تقدير فيرمي ⁦(Fermi Estimation)⁩. ويستعملون احتمالات دقيقة تفرّق بين 60% و65%. ويحدّثون تقديراتهم بخطوات صغيرة كلما وصلت معلومة جديدة. ويجمعون وجهات نظر كثيرة على طريقة عين اليعسوب ⁦(Dragonfly Eye)⁩. وبذلك يحوّل الكتاب دعوة ديوك إلى التفكير بالاحتمالات مهارةً قابلة للقياس هي المعايرة ⁦(Calibration)⁩.

لكن للكتاب حدودًا. فأسئلة البطولة دارت في الغالب حول أشهر قليلة إلى عام واحد، ويقرّ تيتلوك بأن الدقة تنخفض بحدة بعد بضع سنوات. ويعترض نسيم طالب بأن الأحداث النادرة الهائلة هي الأهم، وأن مثل هذه البطولات عاجزة عن قياسها، والكتاب يردّ على اعتراضه من غير أن يحسم الجدل. كما تثقل فصوله الوسطى أحيانًا.

لن يحسب أحد مقياس براير لاختيار وجبة العشاء بالطبع. غير أن تسجيل توقّع ما بنسبته المئوية ومراجعته بعد أسابيع هو الدرس الذي يستطيع أي قارئ تكراره.

5.5. «عقلية الكشّاف»: الرغبة في الحقيقة

يطرح الكتاب الأخير سؤالًا جوهريًا: لماذا لا نطبّق كل ما سبق مع أننا نعرف طريقته؟ وجواب جوليا غاليف في «عقلية الكشّاف» ⁦(The Scout Mindset)⁩ هو الاستدلال المدفوع بالرغبة ⁦(Motivated Reasoning)⁩. فعقلية الجندي تدافع عن قناعاتها، وعقلية الكشّاف تريد خريطة دقيقة. وتدافع غاليف عن أطروحتها بالأدلة لا بالمواعظ. فهي ترى أن خداع الذات يمنحنا من الراحة والثقة أقل مما نظن، وأن بلوغهما ممكن من دونه.

وأدواتها ملموسة. فهي تقترح اختبارات للانحياز، منها اختبار المعيار المزدوج، واختبار الغريب، واختبار المسايرة، واختبار المتشكك الانتقائي، واختبار الوضع القائم. وتضيف تمارين للمعايرة، وتدعو إلى حمل الهوية بخفة حتى لا تتحول القناعة إلى راية ندافع عنها. ووضع الكتاب في نهاية الطريق مقصود، فأدوات الكتب الأربعة الأخرى تبقى على الرف ما لم نرغب فعلًا في العثور على الخطأ في أنفسنا.

ومن التحفظات أن القراء المطّلعين على أوساط العقلانيين أو حركة الإيثار الفعّال قد لا يجدون فيه جديدًا كثيرًا، فغاليف من مؤسسي مركز العقلانية التطبيقية ⁦(Center for Applied Rationality)⁩ وأثر ذلك واضح. وقد يرى بعضهم أن القول بأن خداع الذات نادرًا ما يؤتي ثماره أكثر ترتيبًا مما ينبغي، والأدلة عليه موحية لا قاطعة. ومع ذلك يبقى أسلس الكتب الخمسة قراءة.

الخاتمة الصريحة

الخلاصة الصادقة أن أيًّا من هذه الكتب لا يصنع وحده مفكرًا واضحًا، ولا قراءتها الخمسة معًا. فالتفكير الواضح عادة قوامها الفحص والقياس والاعتراف بالخطأ. يمنحنا دوبيلي الأسماء، ويمنحنا روسلينغ البيانات. وتفصل ديوك القرار عن الحظ، ويحوّل تيتلوك القناعات إلى أرقام قابلة للقياس، وتمنحنا غاليف سببًا لنريد النتيجة. ويرتّب Yol «تفكير أوضح» هذه الكتب بهذا الترتيب، مع محطة لكل فكرة وتمرين صغير للتجربة في الأسبوع نفسه، لتتحول القراءة إلى ممارسة.

أسئلة شائعة

إذا كان الوقت لا يتسع إلا لكتاب واحد، فأيّها نختار؟
لتحسين القرارات: «التفكير بالرهانات». ولمن يشكّ في أرقامه عن العالم: «Factfulness». وللموقف الذهني الذي تقوم عليه بقية الكتب: «عقلية الكشّاف». ولمعظم من يبدأ بكتاب واحد، تبقى «عقلية الكشّاف» الخيار الأكثر توازنًا.
لماذا لا يظهر كتاب «التفكير السريع والبطيء» في القائمة؟
كتاب كانيمان مصدر كثير من أفكار هذا المجال، لكنه كثيف. ولم تصمد بعض أجزائه، كفصل التهيئة ⁦(Priming)⁩، أمام محاولات التكرار، وقد اعترف كانيمان بذلك بنفسه. لذلك تكون قراءته أنفع بعد هذا الطريق، جولةً ثانية للتعمّق.
هل يلزم الالتزام بهذا الترتيب؟
لا يلزم، لكن للترتيب منطقًا. نبدأ بتسمية الأخطاء، ثم نختبرها بالبيانات، ثم ننتقل إلى قياس القرارات والتوقعات، ونختم بسبب الرغبة في ذلك كله. ويصبح «التنبؤ الفائق» أسهل بوضوح بعد «التفكير بالرهانات».
هل تقادمت هذه الكتب؟
مبادئها لم تتقادم. لكن أرقام «Factfulness» تتوقف عند عام 2017 تقريبًا، فيلزم التحقق من البيانات الحديثة في موقع Gapminder. كما تراجعت بعض الدراسات التي يستشهد بها دوبيلي في أزمة قابلية التكرار.