دليل · أفضل الكتب · قراءة في 6 دقائق
أفضل الكتب لتعلّم الكتابة الواضحة والمقنعة، مرتّبةً للقراءة
البداية مع «عن الكتابة الجيدة» (On Writing Well) لبناء طريقة التفكير، ثم «الجميع يكتبون» (Everybody Writes) لعادة كتابة المسودات. بعدهما «أفكار وُجدت لتبقى» لرسائل تبقى في الذاكرة، ثم «عناصر الأسلوب» (The Elements of Style) قائمةً للتحرير. وفي الختام «الإيجاز الذكي» (Smart Brevity) لنقل ذلك كله إلى البريد والتقارير. خمسة كتب تمتد من سبب أهمية الوضوح إلى شكله في رسالة عمل صباحية.
1.1. «عن الكتابة الجيدة» لويليام زينسر (1976): طريقة التفكير قبل القواعد
كتب زينسر هذا الكتاب انطلاقًا من مقرر الكتابة الواقعية (Nonfiction) الذي درّسه في جامعة ييل، وما زال يُقرأ كأنه أفضل نسخة من ذلك المقرر. فكرته المركزية صريحة: الحشو (Clutter) هو داء الكتابة. فمعظم النصوص الرديئة لا تسوء لضعف حصيلة كاتبها اللغوية. إنها تسوء لأن كل جملة فيها تحمل كلمات لا تؤدي عملًا: «في الوقت الراهن وفي هذه المرحلة» بدل «الآن»، وتحفظات مكدّسة للتهرب من الالتزام، ومصطلحات تُستعمل درعًا. مبادئه الأربعة هي الوضوح والبساطة والإيجاز والإنسانية. تبدو بديهية إلى أن يعرض صفحات من مسوداته هو، مليئة بالأقواس والشطب، فنرى كم يحذف الكاتب المحترف.
لماذا يأتي أولًا؟ لأنه يشرح السبب قبل أن يملي ما ينبغي فعله. نخرج منه مقتنعين بأن القارئ هو من يبذل الجهد، وبأن كل جملة غامضة تعني نقل كلفتها إليه. ويتناول النصف الثاني أنواعًا محددة: المقابلة وأدب الرحلة والسيرة والكتابة العلمية وكتابة الأعمال، ويمكن التنقل بينها بحرية. بعض الأمثلة تحمل روح منتصف القرن العشرين، وفصل كتابة الأعمال ألين مما تحتاجه مراسلات العمل اليوم. لكن الفصول الافتتاحية عن المبادئ والمنهج هي الأساس الذي تقوم عليه بقية هذه القائمة.
2.2. «الجميع يكتبون» لآن هاندلي (2014): الكتابة عادةٌ لا موهبة
تكتب هاندلي لمن لا يعدّون أنفسهم كتّابًا لكنهم يكتبون طوال اليوم: المسوّقون ورواد الأعمال وكل من يرسل بريدًا ينتظر عليه ردًا. والكتاب مقسّم إلى فصول قصيرة جدًا، كثير منها صفحة أو صفحتان، فتسهل قراءته على دفعات والعودة إليه. أنفع أفكاره المسودة الأولى القبيحة (The Ugly First Draft): إخراج شيء ما بسرعة وبلا إتقان، ثم إنجاز العمل الحقيقي في المراجعة. والكتابة والحكم عليها مهمتان مختلفتان، والفصل بينهما يزيل كثيرًا من الشلل أمام الشاشة البيضاء.
ويقدّم الكتاب هيكلًا عمليًا لا يقدّمه زينسر: البدء بمشكلة القارئ، وتحديد الرسالة الأساسية قبل الكتابة، وإعادة الكتابة وفق قائمة تدقيق. والتحفظ الصادق أنه كتاب تسويق في جوهره. فالأجزاء اللاحقة عن النشر وأنواع المحتوى والأدوات تتقادم أسرع من بقيته، وقد حدّثتها الطبعة الثانية الصادرة عام 2022. ومن لا يكتب محتوى تسويقيًا كثيرًا يكفيه التمعّن في الجزء الأول عن عملية الكتابة وتصفّح الباقي سريعًا.
3.3. «أفكار وُجدت لتبقى» لتشيب هيث ودان هيث (2007): ليس كل واضح يبقى في الذاكرة
قد يكون النص واضحًا ثم يُنسى. تعيش الحكايات الشعبية والأمثال سنوات، بينما تختفي مذكرات محكمة الحجة خلال أسبوع. يسأل الأخوان هيث عن السبب، ويختصران الجواب في ست سمات: البساطة، والمفاجأة، والملموسية، والمصداقية، والعاطفة، والقصة. وتحت ذلك كله تكمن لعنة المعرفة (Curse of Knowledge): متى عرفنا شيئًا صعب علينا تخيّل حال من لا يعرفه. وأوضح أمثلتهم تجربة في جامعة ستانفورد نقر فيها مشاركون إيقاع أغانٍ مشهورة على الطاولة. توقعوا أن يتعرّف المستمعون على نصفها، فلم يتعرّف المستمعون إلا على أغنية واحدة من كل 40.
هذا الكتاب ينقلنا من الواضح إلى المقنع. يشرح لماذا يحرّك شخص واحد باسمه القارئَ أكثر من رقم إحصائي، ولماذا تتفوق الصورة الملموسة على العبارة المجردة. ويبيّن لماذا ينبغي للافتتاحية أن تفتح فجوة فضول (Curiosity Gap) يرغب القارئ في سدّها. لكنه ليس دليل كتابة، فهو لا يقول الكثير عن الجملة، وأمثلته مستمدة من عالم الأعمال والتعليم في العقد الأول من هذا القرن. وموضعه الثالث في الترتيب مقصود: أدواته تنفع بعد امتلاك فقرة نظيفة، أما الفقرة المشوشة فلن تنقذها أي أداة.
4.4. «عناصر الأسلوب» لسترنك ووايت (1959): قائمة التحرير
بدأ كتيّب سترنك عام 1918 دليلًا طبعه على نفقته لطلابه في جامعة كورنيل، ثم راجعه تلميذه السابق إي. بي. وايت ووسّعه عام 1959. وهو مشهور بقصره وبلغة الأوامر الحاسمة. من قواعده: استعمال المبني للمعلوم (Active Voice)، وصياغة العبارة بصيغة الإثبات، واختيار اللغة المحددة الملموسة، وحذف الكلمات الزائدة. تكفي قراءته في عصر يوم واحد، وجوهره تتسع له بطاقة صغيرة.
لماذا يأتي رابعًا لا أولًا؟ لأن القواعد تثبت أكثر حين تتوافر مسودات نطبّقها عليها، والكتاب يصدر أوامره دون شرح يُذكر. ويستحق أيضًا تنبيهًا منصفًا. بعض أحكامه في الاستعمال مسألة ذوق، وبعضها تقادم، وقد بيّن لغويون مثل جيفري بولم أن عددًا من أمثلته على «المبني للمجهول» ليست كذلك أصلًا. الأنفع استعماله قائمة مراجعة في القراءة الثانية، لا قانونًا ملزمًا: أين يختبئ الفعل الضعيف؟ وأي الكلمات يمكن حذفها؟
ولمن يكتب بالعربية قيمة خاصة في نصيحة المبني للمعلوم، إذ تكثر في المراسلات الرسمية صيغة «تمّ + مصدر». فبدل «تمّ اعتماد الميزانية» نكتب «اعتمدت لجنة المشتريات ميزانية صيانة 12 حديقة»، فيعرف القارئ من فعل ماذا. أما فصل وايت الختامي عن الأسلوب فهو أدفأ ما في الكتاب، ويستحق قراءة متأنية.
5.5. «الإيجاز الذكي» لفانديهاي وألن وشوارتز (2022): الوضوح في العمل
حوّل مؤسسو موقع Axios قالب غرفة أخبارهم إلى منهج للبريد الإلكتروني والمذكرات والتحديثات والعروض. الهيكل بسيط. يبدأ بعنوان قصير محدد، ثم جملة افتتاحية قوية تقول أهم ما في الرسالة، ثم سطر «لماذا يهمّ» (Why it matters). بعدها تأتي التفاصيل بقدر ما يحتاجه القارئ فقط، مع عناوين فرعية بخط عريض تسهّل التصفح. لنأخذ رسالة مديرة مشتريات في دبي إلى المورّد، وكانت تمتد خمس فقرات. بهذا المنهج تصبح: «شحنة الأقمشة متأخرة 6 أيام بسبب التخليص الجمركي. المطلوب منكم أمر واحد: تأكيد موعد جديد قبل الأحد.»
قوته أنه يُستعمل فورًا، إذ يمكن إعادة كتابة التحديث القادم بهذا الأسلوب اليوم. وحدوده جديرة بالمعرفة. القالب يلائم الأخبار والتحديثات أكثر من الحجج التي تحتاج إلى فروق دقيقة، والنبرة قد تنزلق إلى الاقتضاب الجاف. والكتاب في جزء منه واجهة لمنتج الشركة نفسها. ومكانه الأخير مقصود، فالكتب السابقة تمنحنا الحسّ اللازم لمعرفة متى نطوّع القالب.
الخاتمة الصريحة
الخلاصة الصادقة: لا يصنع أي كتاب هنا وحده كاتبًا واضحًا، فالتحسن يأتي من كتابة صفحاتنا نحن واختصارها. يرسّخ زينسر وهاندلي طريقة التفكير والعادة، ويجعل الأخوان هيث الرسالة باقية. ويشحذ سترنك ووايت التحرير، وينقل «الإيجاز الذكي» ذلك كله إلى العمل اليومي. ويسلك مسار «الكتابة بوضوح وإقناع» الطريق نفسه في محطات قصيرة، مع تمرين واحد على نصوصنا في كل خطوة.
أسئلة شائعة
- إذا لم يتسع الوقت إلا لكتاب واحد، فأيها نختار؟
- «عن الكتابة الجيدة»، لأنه يجمع طريقة التفكير والتحرير معًا. وإذا كانت معظم كتاباتنا رسائل بريد وتقارير، فإن «الإيجاز الذكي» يعطي أثرًا أسرع.
- هل تقادم كتاب «عناصر الأسلوب»؟
- في بعض أجزائه، نعم. بعض أحكامه مسألة ذوق، وبعضها لم يعد يوافق الإنجليزية المعاصرة، وقد بيّن لغويون أن عددًا من أمثلته على المبني للمجهول مصنّف خطأً. لكن نصائحه الأساسية ما زالت قائمة مراجعة ممتازة: حذف الزائد، وتفضيل الملموس، والبحث عن الفعل الحقيقي.
- هل تنفع هذه الكتب من يكتب بالعربية؟
- إلى حد بعيد. التركيز على القارئ وتحديد الرسالة الأساسية وحذف الزائد والملموسية مبادئ لا ترتبط بلغة. أما القواعد الخاصة بالنحو الإنجليزي وعلامات الترقيم فيه فلا تنتقل مباشرة. في المقابل تبدو نصيحة المبني للمعلوم أشد نفعًا في المراسلات العربية الرسمية.
- لماذا يظهر «أفكار وُجدت لتبقى» في قائمة عن الكتابة؟
- لأن الوضوح والإقناع أمران مختلفان. الكتب الأخرى تنظّف الجملة، أما الأخوان هيث فيشرحان ما يجعل القارئ يتذكرها ويعمل بها: المثال الملموس، والافتتاحية غير المتوقعة، وقصة شخص واحد.
