هدف
الخروج من الجمود في مسيرتي المهنية
يبدأ الخروج من الجمود المهني بتغيير السؤال. فانتظار شغف يكشف الوظيفة الصحيحة يُبقي معظم الناس في أماكنهم؛ أما ما يحرّكهم فهو بناء مهارة نادرة وقيّمة، وتجاوز حدود القدرة في العمل بدل تكرار المريح، واختبار الخطوة التالية بكلفة قليلة قبل القفز، والاحتفاظ بخطة بديلة وقارب نجاة، وبدء الدور الجديد بالتعلّم قبل الفعل. ولا يحتاج شيء من ذلك إلى استقالة مدوّية، بل إلى تجارب صغيرة مقصودة.
ما الذي يحدث فعلًا
نادرًا ما يبدو الجمود المهني أزمة. فهو يبدو وظيفة مقبولة، وراتبًا يكفي الشهر، وليلة تسبق أسبوع العمل يزداد ثقلها عامًا بعد عام. والنصيحة الشائعة اتباع الشغف، فتُملأ اختبارات الشخصية، وتُقرأ قصص من تركوا وظائفهم لافتتاح مقهى، ويطول انتظار نداء داخلي لا يأتي. وما يلاحظه كال نيوبورت أن معظم الناس لا يملكون شغفًا جاهزًا ينتظر من يكتشفه، وأن كل بداية جديدة في أثر حماسة جديدة تُهدر المهارات التي كانت ستشتري عملًا أفضل.
السبب الثاني هو الثبات على مستوى واحد. فبعد سنوات قليلة يدور العمل بقوة العادة: التقارير نفسها، والعملاء أنفسهم، والمشكلات نفسها تُحل بالأسلوب نفسه. يبدو ذلك عملًا، لكن لا شيء يُتعلَّم، والمهارات التي كانت ستجعل صاحبها صعب الاستبدال تتوقف عن النمو. ولنأخذ مهندس صيانة في مصنع بالجبيل يُجري جولات الفحص نفسها منذ ست سنوات: سريع وموثوق، ولم يقترب منذ زمن من مهمة تتجاوز قدرته. وحين يُعرض عليه تحليل أعطال خط إنتاج جديد، يقرأ ضيقه بالمهمة دليلًا على أنها ليست له، فيعتذر عنها.
السبب الثالث هو القرار المتجمّد. يُعامَل المستقبل المهني كأنه لغز له حل صحيح واحد، فلا يبقى من الخيارات إلا البقاء مع التذمر أو القفز دون شبكة أمان، ولا يُختبر في أيٍّ منهما شيء. وحين يتحرك المرء أخيرًا، يحاول كثيرون إثبات أنفسهم في الأسابيع الأولى بتغيير أمور لم يفهموها بعد، فيبدأ الدور الجديد متعثرًا. والأفكار الخمس أدناه، من خمسة كتب، تعالج هذه الأسباب بالترتيب.
خمس أفكار من خمسة كتب
- 1
التوقف عن انتظار الشغف، وبناء رأس المال المهني
يرى كال نيوبورت في «أكفأ من أن يتجاهلوك» (So Good They Can't Ignore You) أن ما يريده الناس من العمل، كالسيطرة على ما يعملونه والمشكلات الممتعة والأثر، نادر وقيّم، فلا يُشترى إلا بشيء نادر وقيّم مثله: مهارات يملكها قليلون ويحتاج إليها كثيرون. ويسمّي هذه المهارات رأس المال المهني (Career Capital)، والموقف الذي يبنيها عقلية الحِرفي (Craftsman Mindset): السؤال عما يمكن تقديمه للعالم، لا عما يدين به العالم لنا. والخطوة العملية قراءة خمسة إعلانات وظيفية للدور الأعلى بدرجة واحدة، وتدوين المهارات التي تتكرر فيها، ثم تحديد أضعفها لديك، بشرط أن تكون نادرة أيضًا. تلك هي المهارة التي تستحق عامًا من البناء؛ والشغف، كما يرى نيوبورت، يتبع الكفاءة في الغالب.
أكفأ من أن يتجاهلوكالمفهوم: رأس المال المهني - 2
التعامل مع المهمة الصعبة على أنها تمرين، لا حكم
تُختار معظم حالات الثبات المهني على دفعات صغيرة: يُعتذر عن المشروع الذي يتطلب جهدًا إضافيًا، وتُتجنَّب التغذية الراجعة، ويُتمسَّك بالمهمة المألوفة. وتفسّر أبحاث كارول دويك في «طريقة التفكير» (Mindset) السبب. فمن يعتقد أن القدرة ثابتة يرى كل مهمة صعبة امتحانًا لموهبته، والخطأ أمام الآخرين حكمًا عليه، فيبقى حيث يبدو جيدًا أصلًا. أما العقلية النامية (Growth Mindset) فترى المهمة نفسها تمرينًا، والخطأ معلومة. وفي العمل يعني ذلك طلب المهمة التي تقع بعد حدود القدرة الحالية بقليل، وطلب تغذية راجعة صادقة عليها، ثم مراجعة الاستراتيجية لا الذات: ما الذي جرّبته، وما الذي سأغيّره؟ والانزعاج المصاحب لذلك علامة على مغادرة الثبات.
- 3
رسم ثلاث حيوات، ثم اختبار إحداها بمحادثة
يتعامل بيل بيرنيت وديف إيفانز، اللذان يدرّسان تصميم الحياة في جامعة ستانفورد، مع المسيرة المهنية في «صمّم حياتك» (Designing Your Life) على أنها مسألة تصميم لها إجابات جيدة كثيرة، لا امتحان له إجابة واحدة. وتطلب خطط الأوديسة (Odyssey Plans) ثلاث صور مختلفة للسنوات الخمس المقبلة: الحياة الحالية، والحياة التي تُبنى لو اختفى هذا الخيار فجأة، والحياة التي تُختار لو لم يكن للمال ولا لنظرة الناس حساب. ثم يأتي قبل أي قفزة نموذج أولي: محادثة مع من يعيش ذلك الخيار فعلًا. فمهندسة برمجيات في عمّان تفكر في الانتقال إلى إدارة المنتجات تطلب لقاءً قصيرًا مع مديرة منتج في شركة أخرى، وتسألها عن أسبوع عادي في عملها. وساعة كهذه أقل كلفة من عام في دورة تدريبية، وكثيرًا ما تكشف أكثر منه.
صمّم حياتكالمفهوم: خطط الأوديسة - 4
الاحتفاظ بخطة «أ» وخطة «ب» وخطة «ي»
يرى ريد هوفمان وبن كاسنوكا في «الشركة الناشئة التي هي أنت» (The Start-up of You) أن كل مسيرة مهنية اليوم ينبغي أن تُدار كما تُدار الشركة الناشئة، في نسخة تجريبية دائمة. ويضع تخطيط «أ ب ي» (ABZ Planning) ثلاث خطط في وقت واحد بدل القفزة التي لا تحتمل إلا الربح الكامل أو الخسارة الكاملة. فالخطة «أ» هي العمل الحالي، مؤدًّى بإتقان. والخطة «ب» اتجاه قريب يُجهَّز له بهدوء، بدورة أو مشروع جانبي أو بضع محادثات، حتى يكون الانتقال تحوّلًا لا قفزة. والخطة «ي» قارب النجاة: مدخرات، أو وظيفة احتياطية يمكن الحصول عليها بثقة، تُبقيك واقفًا إن ساءت الأمور، وهو ما يجعل المخاطرة محتملة. والخطوة هذا الأسبوع كتابة الخطط الثلاث في صفحة واحدة، والخطة «ي» بالأرقام: كم شهرًا يمكن الصمود؟
الشركة الناشئة التي هي أنتالمفهوم: تخطيط «أ ب ي» - 5
في الدور الجديد: التعلّم أولًا، ثم المكسب المبكر
ينتهي الخروج من الجمود غالبًا بانتقال، وكتاب مايكل واتكنز «الـ90 يومًا الأولى» (The First 90 Days) يتناول كيف يستقر هذا الانتقال. وقاعدته التعلّم قبل الفعل (Learning Before Acting): فالأسابيع الأولى هي التي تكون فيها المعرفة في أدناها والأنظار في أعلاها، ولذلك فهي للإصغاء لا للتغيير. والخطوة العملية طرح الأسئلة القليلة نفسها على المحيطين بك (ما الذي ينجح، وما الذي لا ينجح، وما الذي ينبغي ألا يُمسّ)، والاتفاق مع المدير الجديد على شكل النجاح بعد تسعين يومًا، بكلماته هو. ثم تحقيق واحد من المكاسب المبكرة (Early Wins): أمر كان المحيطون بك يريدونه أصلًا، يمنحك المصداقية التي ستحتاجها التغييرات الأصعب. فالدور الجديد لا يصير بداية جديدة إلا إذا خُصص ربعه الأول لتعلّمه.
جرّبه اليوم، مجانًا
اليوم: قراءة خمسة إعلانات وظيفية للدور الأعلى بدرجة، وتحديد المهارة التي تطلبها كلها وتكون فيها الأضعف. ثم كتابة اسم شخص يعيش مسيرة مهنية تثير فضولك، وطلب لقاء قصير معه على فنجان قهوة لعشرين دقيقة.
أسئلة شائعة
- ماذا أفعل إذا شعرت بالجمود في مسيرتي المهنية؟
- الخطوة الأولى جمع الأدلة قبل أي قرار. فعلى مدى أسبوعين أو ثلاثة يمكن تدوين الأعمال التي تمنحك طاقة والأعمال التي تستنزفها، وهو ما يسميه بيرنيت وإيفانز دفتر الأوقات الجيدة (Good Time Journal)، مع حصر المهارات التي تتكرر في إعلانات الدور الأعلى. ثم يأتي اختبار صغير واحد: محادثة مع من يعمل في المجال الذي يثير فضولك. فكثير من الشعور بالجمود نقص في المعلومات يتنكر في صورة نقص في الخيارات.
- هل أتبع شغفي؟
- يرى نيوبورت أنها نصيحة رديئة في الغالب، لا لأن الشغف سيئ، بل لأن قلة من الناس يملكون شغفًا جاهزًا يتبعونه. فلدى من درسهم، نشأ الشغف في الأغلب من إتقان عمل له قيمة، ومن السيطرة التي جلبها ذلك الإتقان. لذلك تبدأ عقلية الحِرفي بسؤال آخر: ماذا أستطيع أن أقدّم؟ ثم يلحق الشغف بالكفاءة.
- كيف أعرف هل أترك وظيفتي أم أبقى فيها؟
- يساعد تقسيم السؤال إلى سؤالين. الأول: هل ما زالت هناك مهارة نادرة وقيّمة يمكن بناؤها في المكان الحالي؟ إن كان الجواب نعم، فقد يكون البقاء أسرع وسيلة للتقدم. والثاني: هل اختُبر البديل؟ فمحادثة مع من يعيشه، أو مشروع صغير مدفوع، أو دورة في عطلة نهاية الأسبوع، تكشف أكثر مما تكشفه أشهر من التفكير. والوقت المناسب للاستقالة حين يقول الاختبار نعم وتكون الخطة «ي» جاهزة، لا حين يقولها يوم عمل سيئ.
- هل فات الأوان على تغيير مهنتي في أواخر الثلاثينيات أو في الأربعينيات؟
- عبارة «فات الأوان» من المعتقدات المعطِّلة (Dysfunctional Beliefs) التي يسمّيها بيرنيت وإيفانز: تبدو حقيقة وتعمل عمل الجدار. وإعادة صياغتها أن البداية ليست من الصفر؛ فلديك أصول لا يملكها من هو أصغر سنًا: مهارات، وسمعة، وأشخاص يعرفون عملك. والسؤال المفيد هو أي اتجاه قريب تجعله هذه الأصول سهلًا، وهذه هي الخطة «ب» عند هوفمان وكاسنوكا. ونادرًا ما يتطلب الأمر تغيير كل شيء دفعة واحدة.
- كيف أبدأ بداية جيدة في وظيفة جديدة؟
- بالتعلّم قبل الفعل. فالأسابيع الأولى للأسئلة والإصغاء، ومعها حوار مع المدير الجديد عن معنى النجاح بعد تسعين يومًا، واختيار مكسب مبكر واحد كان الفريق يريده أصلًا. وقد أجرى واتكنز أبحاثه على القادة، لكن جدوله يصلح بالقدر نفسه لمحلل أو مهندس ينتقل إلى فريق جديد. ولا داعي لتغيير أي شيء كبير قبل فهم سبب وجوده على حاله.
