هدف
كيف نطلق الإبداع؟ خمس أفكار تحوّل الومضات إلى أعمال مكتملة
نادرًا ما ينطلق الإبداع بدفقة إلهام مفاجئة. إنه ينطلق عبر عادات قليلة: جمع الأعمال التي تحرّكنا، والاستجابة السريعة للفضول الصغير، والجلوس إلى العمل في الموعد نفسه كل يوم حتى حين لا نرغب. ويضاف إلى ذلك السماح للمسودات الأولى بأن تكون قبيحة، ثم إنهاء العمل قبل أن يشلّنا السعي إلى الكمال. وتكفي 15 إلى 30 دقيقة يوميًا للبداية.
ما الذي يحدث فعلًا
على الأرجح لا تنقصنا الأفكار. فهي تأتينا في الطريق إلى العمل، وأثناء الاستحمام، وفي منتصف فيلم صنعه غيرنا. الناقص هو الجسر الذي يصل تلك الومضة بشيء موجود فعلًا: أغنية مكتملة، أو قصة لها نهاية، أو كراسة رسم تمتلئ بدل أن تتوقف عند صفحتها السادسة.
لنتخيّل يوسف، محاسبًا في الإسكندرية كان يلحّن على العود في سنوات الجامعة. في هاتفه اليوم 47 تسجيلًا صوتيًا لا يتجاوز أطولها دقيقة واحدة، وكلها مقاطع لحنية التقطها في سيارته أو على الكورنيش. أما العود نفسه فمستقر فوق الخزانة منذ سبع سنوات. وكلما قرّر إكمال لحن واحد، انتهى به المساء إلى مقارنة أسعار الميكروفونات وقراءة آراء المشترين. ثم يعد نفسه بالبدء حين يقتني معدات أفضل.
هذا النمط ليس نقصًا في الموهبة، ولا ضعفًا أخلاقيًا في الإرادة. إنه مجموعة عقبات متوقعة: خوف يتنكّر في هيئة استعداد، وحكم يصل قبل أوانه، وانتظار الإحساس بالجاهزية. ولكل عقبة منها حل معروف. والأفكار الخمس التالية مأخوذة من كتّاب وصنّاع درسوا هذه العقبات عن قرب.
خمس أفكار من خمسة كتب
- 1
البدء بالسرقة عن قصد
يرى أوستن كليون في كتابه «اسرق كفنان» أن لا شيء يولد من العدم. فكل فنان مزيج من الأسماء التي درسها عن قرب. والفخ هو انتظار فكرة أصيلة تمامًا قبل البدء. البديل أن نحتفظ بملف للأعمال التي تحرّكنا فعلًا، وأن نحدد في كل عمل ما نريد أخذه بالضبط: إيقاع صفحة، أو تجاور لونين، أو انتقالًا بين مقامين. تقليد المعلّم بهدف التعلّم ليس غشًا، فهكذا انتقلت الحِرف عبر الأجيال. أما صوتنا الخاص فيظهر تحديدًا في المواضع التي نعجز فيها عن تقليدهم تقليدًا كاملًا.
- 2
اتباع الفضول بدل الشغف
لاحظت إليزابيث غيلبرت في كتابها «السحر الكبير» أن نصيحة اتباع الشغف تشلّ من لا يشعرون بنداء واحد متّقد. الفضول أصغر وأقرب منالًا: اهتمام خفيف بالخزف، أو سؤال عن قرية الجدّة، أو لحن يتردد في الذهن. يكفي أن نشدّ الخيط خطوة واحدة ونرى إلى أين يقود. وتتعامل غيلبرت مع الأفكار كزوّار يبحثون عن شريك، فإن تركنا فكرة تنتظر شهورًا رحلت إلى غيرنا. لذلك نستجيب للشرارات الصغيرة سريعًا، ولو بمسودة خشنة لا تستغرق أكثر من خمس دقائق.
- 3
تسمية الأعذار باسمها الحقيقي
لحظة الجلوس للإبداع يظهر التأجيل، وتصبح المهام المنزلية فجأة ملحّة، وتتوالى المبررات المقنعة للبدء غدًا. ويطلق ستيفن بريسفيلد في «حرب الفن» على ذلك كله اسمًا واحدًا: المقاومة (Resistance). وهي ليست عيبًا في الشخصية، بل قوة غير شخصية تشتد كلما كان العمل أهم بالنسبة إلينا. وحين نراها خصمًا واحدًا لا مئة عذر متفرق، يسقط معظم تنكّرها. أما علاجه فبسيط: الاحتراف (Turning Pro)، أي الحضور في موعد ثابت، وإنجاز العمل، والكفّ عن انتظار الإلهام أولًا.
- 4
السماح للنسخة الأولى بأن تكون قبيحة
يكتب إد كاتمول، أحد مؤسسي استوديو بيكسار، في كتابه «شركة الإبداع» أن أفلام الاستوديو تبدأ سيئة، ويقصد ذلك حرفيًا. فالنسخ الأولى مرتبكة وناقصة، ويسميها «الأطفال القبيحة» (Ugly Babies). وما تحتاجه هو الحماية لا الحكم، لأن من يحكم عليها يرى ما هو خاطئ اليوم لا ما يمكن أن تصبحه الفكرة. والأمر نفسه ينطبق على فصل نصف مكتوب أو تسجيل تجريبي خام. وحين تتعثر مسودة، يكون السؤال المفيد: ماذا علّمتنا؟ لا: ماذا تقول عنا؟ فالفشل في المراحل المبكرة معلومة.
- 5
إنتاج الكثير قبل الحكم على أي منه
يصف منتج الموسيقى ريك روبين في «الفعل الإبداعي» عملية الصنع بوصفها مراحل متتالية، والمرحلة الأولى منها للّعب لا للتقييم. وحين نحكم على كل فكرة لحظة ظهورها، يموت أغلبها قبل أن يكشف ما يمكن أن يكون. لذلك نفصل بين المهمتين: جلسة للتوليد الحر نخرج فيها بنسخ خشنة عدة من دون حذف، ثم جلسة لاحقة للاختيار. بعد ذلك يأتي الإنهاء، ومعيار روبين هنا عملي: حين تتوقف التعديلات عن جعل العمل أفضل وتكتفي بجعله مختلفًا، يكون قد اكتمل. عندها نطلقه ونبدأ التالي.
جرّبه اليوم، مجانًا
ضبط مؤقت لمدة 15 دقيقة اليوم، وصنع شيء خشن عن قصد: رسم سريع، أو فقرة، أو تسجيل صوتي من 30 ثانية، من دون تصحيحه. ثم تدوين سطر واحد عمّن استعرنا منه، وتكرار ذلك غدًا في الموعد نفسه.
أسئلة شائعة
- هل يمكن تعلّم الإبداع، أم أن بعض الناس يولدون مبدعين؟
- يتفاوت الاستعداد لحرفة بعينها من شخص إلى آخر، لكن العادات التي تحوّل الأفكار إلى أعمال مكتملة قابلة للتعلّم. فمعظم من يشعرون بالتعثر لا ينقصهم الاستعداد. ما يعطّلهم هو الحكم المبكر والخوف وانتظار الإحساس بالجاهزية، وهذه تُتجاوز بالممارسة لا بالقراءة عنها.
- كم من الوقت نحتاج يوميًا؟
- تكفي 15 إلى 30 دقيقة للبداية. والانتظام أهم من طول الجلسة. فجلسة قصيرة في الموعد نفسه كل يوم تنتج أكثر من جلسة طويلة مرة في الأسبوع، لأنها لا تترك للمقاومة مجالًا للمساومة.
- ماذا لو كان ما نصنعه سيئًا؟
- سيكون كذلك، خاصة في البداية. حتى أفلام بيكسار تكون سيئة في نسخها الأولى. ومهمة المسودة المبكرة أن توجد، لا أن تكون جيدة. فالتحسين لا يبدأ إلا حين يكون أمامنا شيء نعمل عليه. والأجدى قراءة المسودة السيئة بوصفها تجربة علّمتنا شيئًا.
- هل يعلّم هذا المسار تقنيات الرسم أو أسلوب الكتابة؟
- لا. إنه يعلّم العادات المحيطة بالحرفة، لا تقنية حرفة بعينها. ومن هذه العادات جمع المادة الخام، والحضور حين لا نرغب، وتجاوز الخوف والمقاومة، والتعامل مع النقد الصريح، ثم إنهاء العمل ونشره. وهذه العادات تعمل بالطريقة نفسها في الرسم والكتابة والموسيقى.
- كيف نعرف أن العمل اكتمل؟
- معيار ريك روبين عملي: حين تتوقف تعديلاتنا عن جعل العمل أفضل وتكتفي بجعله مختلفًا، يكون قد اكتمل. وغالبًا ما يغرينا السعي إلى الكمال بتجاهل هذه اللحظة. عندها يحين النشر والانتقال إلى العمل التالي، فالمهارة تأتي من أعمال مكتملة كثيرة لا من عمل واحد بلا عيب.
- هل يوجد طريق لتطبيق هذه الأفكار خطوة بخطوة؟
- يمرّ مسار «أكثر إبداعًا» في BookYol باثنتي عشرة محطة مستمدة من هذه الكتب الخمسة بالترتيب. يبدأ بجمع ما يحرّكنا، ثم ينتقل إلى تسمية المقاومة وبناء دائرة صغيرة من النقّاد الصادقين، وينتهي بإنهاء العمل ونشره. وكل محطة قراءة قصيرة وممارسة يومية. ولن يفيد كثيرًا من يبحث عن إلهام بلا ممارسة، أما من يريد طريقة قابلة للتكرار لصنع الأعمال ونشرها فقد صُمّم له.
