هدف
كيف نتحكم في مشاعرنا من دون كبتها؟
التحكم في المشاعر لا يعني كبتها، بل يعني وضع مسافة قصيرة بين الانفعال والتصرف. وتتسع هذه المسافة بأربع مهارات: فهم سبب سبق العاطفة للتفكير، وتسمية الشعور باسم أدق من «متوتر»، وملاحظة المحفزات المتكررة مبكرًا، وخوض الحديث الصعب من دون لوم. وكلها تُكتسب بالتمرين اليومي، لا بالموافقة على ما تقوله الكتب.
ما الذي يحدث فعلًا
يتصل عميل بخالد، مهندس المبيعات في جدة، للمرة الثالثة في يوم واحد، ويشكك في عرض سعر قيمته 40 ألف ريال. وقبل أن يُكمل العميل جملته، يجد خالد نفسه يرد بحدة يندم عليها بعد دقائق. وفي المساء تسأله زوجته عن يومه، فلا يجد غير كلمة «متعب».
المشكلة ليست في وجود المشاعر، بل في أنها تتخذ القرار نيابة عنا في كثير من الأحيان. ويتأرجح كثيرون منا بين طرفين: الانفجار، أو الابتلاع والصمت. وللطرفين ثمن؛ فالانفجار تدفع ثمنه العلاقات، والصمت يدفع ثمنه الجسد والنوم.
الإرادة وحدها لا تكفي، لأن الانفعال يصل قبل أن يبدأ التفكير. لكن هذه الانفعالات تسير وفق أنماط، والأنماط قابلة للتعلم. وفيما يلي خمس أفكار من خمسة كتب مختلفة ترسم ترتيب هذا التعلم.
خمس أفكار من خمسة كتب
- 1
الدماغ يستجيب أولًا ثم يفكر
من أبقى الأفكار في كتاب «الذكاء العاطفي» لدانيال جولمان أن مركز الإنذار في الدماغ، أي اللوزة الدماغية، قد يتحرك عند استشعار الخطر قبل أن تكتمل الصورة أمام الدماغ المفكر. ويسمي جولمان ذلك اختطاف اللوزة الدماغية (Amygdala Hijack). لذلك فإن الإجابة الصادقة عن سؤال «بماذا كنت أفكر؟» لحظة الانفجار كثيرًا ما تكون: «لم أكن قد بدأت التفكير بعد». ومعرفة ذلك ليست عذرًا بل خريطة؛ فالاستجابة تبدو تلقائية لكنها غير ثابتة، ويمكن تعلّم ملاحظة لحظة الإنذار وكسب ثوانٍ قليلة. والمهارة ليست إسكات الإنذار، بل ألا نسلّمه المقود.
- 2
الفيل وراكبه
يصف جوناثان هايدت في «فرضية السعادة» العقل بفيل ضخم يجلس على ظهره راكب صغير، وهي صورة الراكب والفيل (The Rider and the Elephant). الراكب هو التفكير الواعي الذي يخطط ويبرر، والفيل هو مشاعرنا وعاداتنا، وهو الذي يحدد الاتجاه في أغلب الأحيان. وحين يعاند الراكبُ الفيلَ يخسر، ولهذا لا تصمد قرارات من نوع «لن أغضب بعد اليوم» أكثر من أيام. التغيير الدائم يأتي من تدريب الفيل لا من إرغامه، وذلك بتجارب صغيرة متكررة، وتعديل البيئات التي تستفزه، وتجريب استجابات جديدة بجرعات قليلة. والذكاء العاطفي في جوهره سعي الراكب إلى فهم فيله.
- 3
كلمة «متوتر» ليست اسمًا لشعور
يقترح مارك براكيت في «إذن بالشعور» أداة بسيطة هي مقياس المزاج (Mood Meter)، وتقوم على وضع كل شعور على محورين: هل مستوى الطاقة مرتفع أم منخفض؟ وهل الإحساس سار أم غير سار؟ ما نسميه «توترًا» قد يكون قلقًا أو غضبًا أو ضغطًا في الربع عالي الطاقة غير السار، وقد يكون إحباطًا أو خيبة أمل في الربع منخفض الطاقة. وهذا التمييز ليس تفصيلًا، لأن ما يساعد كل حالة مختلف: القلق يحتاج إلى خطة، والخيبة إلى حديث صريح، والإرهاق إلى نوم. فالشعور الذي لا نسميه بدقة لا نستطيع إدارته، وحين نسميه يتحول إلى معلومة يمكن الاستفادة منها.
- 4
لمحفزاتنا نمط يمكن رصده
يعدّ ترافيس برادبيري وجين غريفز في «الذكاء العاطفي 2.0» الوعي الذاتي أساس المهارات الأخرى كلها، ويقترحان البدء بأقوى ردود أفعالنا. وهذه الردود ليست عشوائية؛ إذ يثيرها أشخاص بعينهم ومواقف بعينها وحالات جسدية بعينها، وهي ما يسمى المحفزات العاطفية (Emotional Triggers). فإن كان الانفجار أسهل ونحن جائعون أو قليلو النوم أو حين يقاطعنا أحد، فذلك نمط. وتدوين ردود الفعل القوية بإيجاز لمدة أسبوع يجعل النمط مرئيًا، ومتى ظهر صار الاستعداد ممكنًا: تناول شيء قبل الاجتماع الصعب، أو المشي دقيقتين قبل مكالمة بعينها. ويوصي الكتاب بتجهيز أدوات مجرّبة مسبقًا لاستخدامها في اللحظة نفسها.
- 5
أربع خطوات لقول الصعب من دون لوم
يقسم مارشال روزنبرغ في «التواصل اللاعنفي» الحديث الصعب إلى أربعة أجزاء هي خطوات التواصل اللاعنفي (NVC): الملاحظة، والشعور، والحاجة، والطلب. لنفترض أن مريم، المصممة في دبي، تتسلم ملفات زميلها متأخرة كل خميس. فبدل عبارة «أنت دائمًا تعطّلني»، تقول: «وصلتني الملفات في الأسابيع الثلاثة الماضية بعد الرابعة عصرًا، وأشعر بالضغط لأنني أحتاج إلى وقت كافٍ للمراجعة، فهل يمكن إرسالها قبل ظهر الأربعاء؟». والطلب هنا ليس أمرًا، فعليه أن يتسع لكلمة «لا». ويوصي روزنبرغ بالبدء بالإصغاء، فحين نعكس مشاعر الطرف الآخر وحاجاته، يصبح أكثر استعدادًا لسماع مشاعرنا وحاجاتنا.
جرّبه اليوم، مجانًا
تدوين أقوى انفعال مرّ بنا اليوم في سطرين كل مساء لمدة 7 أيام: ماذا حدث، وكيف كانت حالة الجسد قبله، وما الاسم الأدق من «متوتر» لهذا الشعور. وبعد أسبوع سيظهر النمط بوضوح.
أسئلة شائعة
- هل التحكم في المشاعر يعني كبتها؟
- لا. قد يبدو الكبت ناجحًا على المدى القصير، لكن الشعور لا يختفي، بل يعود في صورة توتر في الجسد أو أرق أو انفجار في غير موضعه. والهدف أن نشعر بالانفعال ونسمّيه، ثم نقرر نحن ما نفعله بدل أن يقرر هو عنا.
- متى نلاحظ فرقًا؟
- يلاحظ كثير ممن يبدؤون تدوين محفزاتهم أنهم صاروا ينتبهون إلى انفعالاتهم في وقت أبكر خلال أسابيع قليلة. أما تغيير الاستجابة نفسها فيستغرق وقتًا أطول، لأن تدريب الفيل يحتاج إلى تكرار. ومن الواقعي توقع تقدم صغير يُقاس بالأسابيع، لا تحوّل بين ليلة وضحاها.
- هل يغني هذا عن العلاج النفسي؟
- لا. هذا المسار لبناء مهارات عاطفية يومية، ولا يعالج الصدمات أو القلق السريري أو الاكتئاب. وإذا كانت المشاعر تعطّل الحياة اليومية بشدة ومنذ مدة طويلة، فطلب المساعدة من مختص هو الخطوة الصحيحة.
- لماذا نبدأ بأنفسنا قبل الآخرين؟
- يصعب أن نقرأ غيرنا بدقة ونحن لا نعرف محفزاتنا، فحين يرن إنذارنا الداخلي تفوتنا الإشارات على وجه الطرف الآخر. لذلك يبدأ المسار بالداخل ثم ينتقل إلى الخارج. ومع ذلك يغذّي كل منهما الآخر، فالتحقق من تخميننا لشعور غيرنا يسهّل علينا تسمية مشاعرنا أيضًا.
- أين نتابع هذا الترتيب خطوة بخطوة؟
- يرتّب مسار «بناء الذكاء العاطفي» في BookYol هذه الكتب الخمسة في 12 محطة قصيرة. يبدأ بسبب سبق العاطفة للتفكير، ثم ينتقل إلى التسمية والتنظيم والتعاطف، وصولًا إلى الأحاديث الصعبة وإصلاح الخلاف. وتنتهي كل محطة بتمرين صغير نجرّبه في موقف حقيقي.
