هدف
العثور على المعنى وزيادة السعادة
الشعور بالفتور حين تبدو الحياة جيدة على الورق شائع، ونادرًا ما يعالجه المزيد من الشيء نفسه، لأننا نتكيف سريعًا مع الزيادة في الراتب والمشتريات والبيت الجديد. أما ما يدوم أكثر فهو ما نفعله عن قصد وبانتظام: ممارسات قليلة تلائمنا، واستثمار في عدد محدود من العلاقات، وجعل جزء من العمل مستغرِقًا، ومعرفة الغاية من جهدنا ومن أيامنا الصعبة. وتقدّم خمسة كتب الدليل والطريقة.
ما الذي يحدث فعلًا
على الورق كل شيء على ما يرام: عمل، وبيت، وأشخاص حولنا. ومع ذلك تتشابه الأسابيع، ويثقل مساء الأحد، ويكون الجواب الصادق عن سؤال «هل أنت سعيد؟» هو «أظن ذلك». ومن السهل أن يُفهم هذا على أنه جحود، أو على أنه مشكلة لا يحق لنا أن نشكو منها. وهو ليس هذا ولا ذاك، بل من أكثر الحالات شيوعًا في حياة البالغين المستقرة، وأسبابه مدروسة جيدًا.
والحلول المعتادة تستهدف الظروف: راتب أفضل، وبيت أكبر، ومدينة جديدة. وهي تنفع مدة، ثم يتكيف العقل ويعود المستوى القديم، وهو ما يسميه علماء النفس التكيف المتعي (Hedonic Adaptation). أما النصيحة الشائعة الأخرى، أن السعادة اختيار، فتبدو مشجعة، لكنها لا تقدّم شيئًا يمكن فعله في مساء يوم ثلاثاء عادي.
وتشير الأبحاث إلى اتجاه أكثر عملية. فجزء من سعادتنا مصدره المزاج، وجزء مصدره الظروف، لكن جزءًا حقيقيًا يأتي مما نفعله عن قصد: كيف نلاحظ الأشياء الجيدة، وكيف نعامل الناس، ومدى استغراقنا في العمل، وهل نعرف الغاية من جهدنا. ولا شيء من ذلك حالة مزاجية، بل كلها ممارسات، والممارسات يمكن اختيارها وتجربتها والمداومة عليها.
خمس أفكار من خمسة كتب
- 1
اختيار الممارسات التي تلائمنا
تجمع سونيا ليوبوميرسكي في كتابها «كيف نكون أكثر سعادة» (The How of Happiness) ممارسات تدعمها الأبحاث: التعبير عن الامتنان، وأفعال اللطف، وتذوّق اللحظات الجميلة، ورعاية العلاقات، والالتزام بالأهداف. وأهم ما تقوله إن أي ممارسة لا تصلح للجميع، وهذا ما تسميه ملاءمة النشاط للشخص (Person–Activity Fit): الممارسة تنفع حين نشعر أنها طبيعية وممتعة وتستحق العناء، لا لأنها موصى بها فحسب. والجرعة مهمة أيضًا؛ ففي دراساتها كان تعداد النعم بوتيرة أقل أنفع أحيانًا من جعله روتينًا ثابتًا، لأن الطقس الذي يتكرر كثيرًا يفقد طعمه. والخطوة العملية اختيار ممارستين تناسبان طباعنا، وتنويع طريقة أدائهما، ومنحهما بضعة أسابيع قبل الحكم عليهما.
كيف نكون أكثر سعادةالمفهوم: ملاءمة النشاط للشخص - 2
البحث عن السعادة في «البين» لا في الداخل
اختبر جوناثان هايدت في كتابه «فرضية السعادة» (The Happiness Hypothesis) أفكارًا قديمة عن السعادة في ضوء علم النفس الحديث، وانتهى إلى خلاصة تصحح الحكمة القديمة وكتب تطوير الذات الحديثة معًا. فالسعادة لا تأتي من الداخل وحده بتغيير طريقة التفكير، ولا من الخارج وحده بتغيير الظروف، بل السعادة تأتي من «البين» (Happiness Comes from Between): من العلاقات الصحيحة مع الآخرين، ومع العمل، ومع شيء أكبر من أنفسنا. وفي التطبيق، الوقت المحجوز لعدد قليل من المقربين ليس اقتطاعًا من الرفاه، بل جزء كبير منه. والخطوة العملية تسمية ثلاث علاقات نستثمر فيها هذا الشهر، وتسجيل اللقاء الأول في التقويم اليوم.
- 3
إعادة تصميم مهمة واحدة حتى تستغرقنا
درس ميهالي تشيكسنتميهالي في كتابه «التدفق: علم نفس التجربة المثلى» (Flow) اللحظات التي يشعر فيها الناس بأنهم في أوج حيويتهم، فوجد أن أفضلها في الغالب لحظات فعل لا لحظات تلقٍّ. وهي تأتي حين يجتمع هدف واضح، وتغذية راجعة فورية، وتحدٍّ يوازي المهارة، فيستغرق الانتباه كله، وهذا هو التوازن بين التحدي والمهارة (Challenge–Skill Balance). فإذا كانت المهمة أسهل مما ينبغي جاء الملل، وإذا كانت أصعب جاء القلق، ويقضي يوم العمل كثيرًا من وقته في إحدى هاتين الحفرتين. ويمكن نقل مهمة روتينية نحو التدفق: تحديد هدف دقيق للساعة القادمة، وإيجاد وسيلة لرؤية التقدم في أثناء العمل، ورفع الصعوبة قليلًا حين تبدأ المهمة بالتحول إلى عادة آلية.
- 4
معرفة الغاية من الجهد
رأى فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي نجا من معسكرات الاعتقال في الحرب العالمية الثانية، في كتابه «الإنسان يبحث عن المعنى» (Man's Search for Meaning)، أن أعمق دافع في الإنسان ليس اللذة ولا القوة، بل إرادة المعنى (The Will to Meaning)، وأن الإنسان يحتمل الكثير حين يعرف لأجل ماذا يحتمله. وقد حدد ثلاثة مواضع يوجد فيها المعنى: في عمل أو إنجاز، وفي الحب وتجربة شيء أو شخص، وفي الموقف الذي نتخذه من معاناة لا مفر منها. والسعادة عنده تتبع المعنى، وتفلت حين تُطارَد مباشرة. والخطوة العملية كتابة جملة واحدة تقول ما الغاية من أسبوع صعب، والعودة إلى قراءتها حين يشتد الأسبوع.
- 5
سؤال من وصل إلى هناك بالفعل
يبيّن دانيال جيلبرت في كتابه «التعثر في السعادة» (Stumbling on Happiness) أن توقعاتنا لما سنشعر به في المستقبل تخطئ بانتظام: فالخيال يملأ الصورة بتفاصيل خاطئة ويُسقط التفاصيل العادية. وعلاجه بسيط وغير لافت، وهو التنبؤ بالوكالة (Surrogation): قبل أي اختيار كبير، سؤال من يعيشون فعلًا المستقبل الذي نفكر فيه عن شعورهم الحقيقي، والثقة بما يقولونه أكثر من الثقة بخيالنا. فقبل أن تنتقل نورة من وظيفتها في الرياض إلى عرض عمل في دبي، تخبرها أمسية مع اثنين سبقاها إلى الخطوة نفسها أكثر مما يخبرها شهر من تخيّل الحياة هناك. ونحن نقاوم هذه النصيحة لأن كلًّا منا يشعر بأنه فريد، وفكرة جيلبرت أننا أقل اختلافًا مما نظن.
جرّبه اليوم، مجانًا
كتابة ثلاثة أشياء سارت على نحو جيد هذا الأسبوع وسبب كل منها هذا المساء، ثم إرسال واحد منها رسالة شكر قصيرة إلى الشخص المعني.
أسئلة شائعة
- كيف أصبح أكثر سعادة وليس في حياتي مشكلة حقيقية؟
- تزداد السعادة حين ينتقل الجهد من الظروف إلى الممارسات: اختيار ممارستين ملائمتين، كملاحظة امتنان أسبوعية أو يوم لطف مخطط له، وحجز وقت لعدد قليل من العلاقات القريبة، وجعل جزء من العمل مستغرِقًا.
- هل السعادة اختيار؟
- ليست السعادة اختيارًا بمعنى أن نقرر الشعور بها. لكن جزءًا حقيقيًا من الرفاه يأتي مما نفعله عن قصد وبانتظام، وهذا الجزء يمكن اختياره. والمزاج والظروف مهمان أيضًا، ولا يدّعي أي كتاب أمين غير ذلك.
- ما الفرق بين السعادة والمعنى؟
- السعادة في الغالب هي إحساسنا بأيامنا، والمعنى هو معرفتنا بالغاية منها. وقد رأى فرانكل أن السعادة تتبع المعنى، وتتفق كتب هذا الطريق على أن العمل على المعنى كثيرًا ما يزيد السعادة.
- هل يغني هذا عن العلاج النفسي؟
- لا يغني هذا عن العلاج النفسي. فهذه ممارسات يومية لمن يشعر بالفتور، وليست علاجًا. وإذا استمر انخفاض المزاج أسابيع أو صعّب الحياة اليومية، فالخطوة الصحيحة الحديث مع طبيب أو مختص في الصحة النفسية.
