التدفق: علم نفس التجربة المثلى
ميهالي تشيكسنتميهالي
Flow
كتاب «التدفق: علم نفس التجربة المثلى» (Flow) وصفٌ قدّمه ميهالي تشيكسنتميهالي لحالة الاستغراق الكامل، التي يغيب فيها انشغال المرء بنفسه، ويتبدّل إحساسه بالوقت، ويصبح النشاط مكافأة في ذاته. ويستند إلى سنوات من الأبحاث سجّل فيها الناس تجربتهم في لحظات عشوائية. وللتدفق شروط: هدف واضح، وتغذية راجعة فورية، وتحدٍّ يوازي المهارة. أما أطروحة الكتاب الأوسع فهي أن الانتباه عملة التجربة، وأن جودة الحياة هي مجموع ما انصرف إليه الانتباه فيها.
أفضل ساعات المرء نادرًا ما تكون ساعات الاسترخاء؛ إنها ساعات الاستغراق، وهي تحدث في العمل أكثر مما تحدث في الإجازة. قاس تشيكسنتميهالي ذلك، وفسّره، وبيّن كيف يمكن تهيئته عن قصد.
الكتاب في جوهره
كان تشيكسنتميهالي ينبّه المشاركين في أبحاثه عبر جهاز النداء في أوقات عشوائية من اليوم، ويسألهم عمّا يفعلونه وعمّا يشعرون به، فوجد أن أفضل لحظاتهم كانت لحظات يمتد فيها المرء إلى أقصى قدرته: جرّاح، ومتسلّق جبال، وطفل منهمك في لعبة، وموظف حوّل مهمة مملة إلى منافسة مع نفسه. وسمّى هذه الحالة التدفق: الانتباه كله على النشاط، والذات غائبة عن الوعي، والإحساس بالوقت مختل، والفعل مكافأة في ذاته. وشروطها ثابتة: هدف واضح في كل لحظة، وتغذية راجعة فورية، وتحدٍّ يوازي المهارة، في القناة الواقعة بين الملل والقلق، أي قناة التدفق (Flow Channel). ومع نمو المهارة يجب أن ينمو التحدي، ولهذا ترافق أنشطة التدفق أصحابها مدى الحياة. وتحت ذلك كله نظرية في الوعي: الانتباه محدود، وكل ما يعيشه الإنسان يمر عبره، فهو أهم مورد يملكه. والعقل الذي تمزّقه الهموم والمشتتات يعيش في الفوضى النفسية (Psychic Entropy)، والعقل الموجّه إلى هدف اختاره عقل منظّم، والتدفق هو الوعي المنظم (Ordered Consciousness) في أقصى شدته. ومفارقة الكتاب أن الناس يقولون إنهم يريدون أوقات الفراغ، ثم يجدون معظم تدفقهم في العمل، لأن العمل يوفر الأهداف والتغذية الراجعة والتحدي، ولا يوفر الفراغ الخامل شيئًا منها.
صدر الكتاب عام 1990 بعد 25 عامًا من البحث في جامعة شيكاغو، فمنح اسمًا لتجربة عرفها الجميع، وصار من أسس علم النفس الإيجابي. وطبّق تشيكسنتميهالي الفكرة في كتب لاحقة على العمل والإبداع والحياة اليومية.
لمن هذا الكتاب
- من تستنزفه عطلات نهاية الأسبوع، وتمنحه أصعب أيام العمل رضًا يستغربه
- من يريد أن يصمم حالة الاستغراق بدل أن ينتظرها
- القرّاء المهتمون بالانتباه بوصفه المادة التي تُصنع منها الحياة
لمن لا يناسب
- — القارئ الباحث عن تقنية سريعة؛ فالكتاب نظرية في داخلها منهج
- — من يأمل أن يأتيه التدفق من الراحة؛ فبيانات الكتاب تقول العكس
أهم الدروس
01
للتدفق شروط
هدف واضح في كل لحظة، وتغذية راجعة فورية، وتحدٍّ يوازي المهارة. فإذا كانت المهمة أسهل مما ينبغي انجرف العقل إلى الملل، وإذا كانت أصعب مما ينبغي انهار في القلق. والتدفق يعيش في القناة الواقعة بينهما، ويمكن تهيئته عمدًا للساعة القادمة.
يجد طارق، المحامي في الكويت، أن أيام التفاوض على العقود، بهدفها الواضح وتغذيتها الراجعة الفورية، هي أفضل أيامه. فبدأ يلعب الشطرنج مع جار يفوقه مهارة بقليل، لينقل الشروط نفسها إلى عطلة نهاية الأسبوع.
02
العمل يولّد تدفقًا أكثر من أوقات الفراغ
قال المشاركون في الدراسة إنهم يريدون أوقات الفراغ، لكنهم وجدوا التدفق في العمل، لأن العمل كثيرًا ما يوفر الشروط الثلاثة، والفراغ الخامل لا يوفر أيًّا منها. وكانت مشاهدة التلفزيون من أدنى القراءات المسجلة. ولذلك يحتاج التدفق في أوقات الفراغ إلى تصميم: حرفة، أو رياضة، أو لعبة يتصاعد تحديها.
صار طارق نفسه يرمم قاربًا خشبيًا مع والده صباح كل سبت، بهدف واضح، وتغذية راجعة، وصعوبة تتزايد، فتوقفت عطلات نهاية الأسبوع عن استنزافه.
03
الانتباه عملة التجربة
كل ما سيشعر به الإنسان أو يتعلمه أو يصير إليه يمر عبر قناة ضيقة من الانتباه، ومعظم الناس ينفقونه دون أن يقرروا ذلك. فالفوضى النفسية عقل تتجاذبه مطالب متعارضة، والوعي المنظم انتباه موجّه إلى هدف مختار. وجودة الحياة هي مجموع ما أُنفق عليه انتباه صاحبها.
راجعت سلمى، المصممة في الدار البيضاء، يومًا كاملًا من وقتها، فوجدت أن 9 ساعات من أصل 14 ساعة قضتها مستيقظة ذهبت إلى أشياء لم تخترها. فأخرجت الهاتف من غرفة النوم، وصارت تقرأ كتابًا في الترام بدل تصفح المنصات.
جرّبه اليوم
تصميم كتلة تدفق واحدة: هدف محدد لساعة واحدة، وتغذية راجعة تصل أثناء العمل، وصعوبة تتجاوز حدود الراحة قليلًا، وإزالة كل مصدر للمقاطعة.
اختبار سريع
ما الشروط الثلاثة للتدفق؟
لماذا وجد الناس تدفقًا في العمل أكثر مما وجدوه في أوقات الفراغ؟
اقتباسات مختارة
«أفضل لحظات حياتنا ليست أوقات الخمول والتلقي والاسترخاء.»
«أفضل اللحظات تحدث عادةً حين يُشَدّ جسد المرء أو عقله إلى أقصى حدوده، في جهد طوعي لإنجاز أمر صعب وجدير بالعناء.»
